Harith's Space!

In "Harith's Space!" I share some personal feelings, memories, thoughts and observations. Help me to make this space positive by allowing me to learn from your feedback.


Showing posts with label Memories. Show all posts


دخلت الطائرة في هذه الأثناء الحدود الأمريكية اليابسة ، تلك البلاد التي لا يعرف إلى اليوم من أول من وصل إليها. فبعد أن حفظنا بعناء اسم كريستوفر كولمبوس في المدرسة ، تقول اليوم كل النظريات والبراهين اليوم "عفوا كولمبوس ولكنك لست أول من وصل أمريكا!".

المهم ، وصلت للبلاد التي قال عنها الرئيس الفرنسي المعروف بآراءه الحادة تجاه أمريكا شارل ديجول ساخرا "الحضارة لا تشترى بالمال!". وإن في تصوري أن الموقع الجغرافي للولايات المتحدة هو واحد من أهم الأسباب تقدمها ، وإن بعد أمريكا عن أوربا وآسيا وأفريقيا أمان بحد ذاته. فالشعب الأمريكي عاش بعيدا من أي شيء ، فهو إلى اليوم لم يعرف حربا في بلده ، ولايزال يستمع عبر شبكة الـ
CNN عن الحروب التي تشارك فيها قواته في دول أخرى كفيتنام ، وكوبا ، والعراق. ولكنه لم يعش الحرب ، ولم يعش خوف الحرب أبدا ، فلم تضرب بلاده لا بقنبلة نووية فاحجتاجوا لإعادة تعمير تحتية ، ولا حرقت المدن فاحجتاجوا للرحيل. اللهم إلا حادثة (بيرل هاربور) اليتيمة ، عندما تجرأ اليابانيون واخترقت طائراتهم وحاملات الطائرات كل الرادارات الأمريكية بدهاء مثير ، فضربوهم في عقر دارهم. ولكن انتقام الأمريكان كان أكبر ، فردوا عليهم بإلقاء القنبلة النووية الشهيرة ، لمن تجرأ ومس ريش النسر الأمريكي العظيم! ن

نظرت من النافذة لهذه البلاد ، كل ما وجدته كان أبيضا.. فالثلج يعم المكان.. المياه مجدمة ، والأشجار يغظيها الجليد بعدما قرض كل ما فيها.. تذكرت حينها بيت شعر جميل جدا لدبلوماسي السودان الأول (محمد أحمد المحجوب) عندما مرَ بموقف مشابه تقريبا ، فكان كذلك في الطائرة وفي أواخر أشهر الشتاء ، فعبرت طائرته جبال الألب ، فنظر من نافذته ووجد الجبال وقد بدأ الثلج بالزوال ، ليظهر اللون الأسود مرة أخرى ، فقال وهو ينظر إلى تلك الجبال ( ليت شيبي موسمي مثلها.. يسدل الصيف عن صباها القناع). وسر حفظي لهذا البيت هو أن والدي -صاحب الشعر الأبيض منذ عقده الثالث- يعلق هذا البيت من الشعر في مكتبه!.


بدأت الطائرة بالهبوط تدريجيا في مدينة نيوجيرسي ، وعندما عبرت الطائرة مدينة نيويورك ، وظهرت عروسها منهاتن دون حلقها المتدلي الشامخ ، تذكرت اليوم الذي فقدتهما ، إن يوم الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001 سيظل محفورا في قلب كل أمريكي بلا شك.


الكل الآن في الطائرة في حالة استعداد للهبوط ، فربطنا حزام الأمان ، والطائرة تهبط تدريجيا بكل هدوء حتى أنزلها قائدها بكل براعة وخفة في أرض الولايات المتحدة الأمريكية في تمام الساعة الثامنة وأربعون دقيقة صباحا في اليوم الأخير من عام 2002.



سألت ما هي إجابتك ؟ ولعل سؤالي هذا ما كان ينتظر طوال هذه المدة. تمدد على كرسيه في ارتياح ، ووضع رجلا على أخرى ، ثم قال:

- الديمقراطية.

ربما قال وجهي الكثير وأنا لا أعلم ، لكن ما أذكره أنه لم تخرج عني أية حروف. كنت لا أزال أفكر في الفرق بين الاكتشاف والاختراع ، ثم جال رأسي يفكر عن عظمة الديمقراطية كما يقول صديقي الديمقراطي. أخيرا سألته ما كان ينتطر:

- كيف؟!


قال أنه يعتقد بأن الديمقراطية هي أساس السلام في العالم ، ولولا الديمقراطية لما سقططت ممالك وكنائس أبت دون تقدم العلم. هززت رأسي مبديا اتفاقا إلى حد ما ، ولما أحس بذلك أعاد نفس الكلام ولكن بصياغة أخرى ، وعندما أحس أنه لم يكسب التأييد الذي رغبه قال:

- ربما يصعب عليك تقدير دور الديمقراطية لأنك من خلفية مسلمة.

قالها ببرود وهو لا يدر أنه مس وترا حساسا! عندها فقت من كومة التخدير التي كانت لا تزال تسريني طوال فترة حديثة ، ثم قلت:

- عليّ أن أغادر لأني لدي موعد مع صديق وقد تأخرت ، لكن لدي نقطتين ردا على رأيك:


أولا ، أن الاسلام قد جاء بمدأ الشورى عندما لم يكن هناك بعد مصطلحا اسمه ديمقراطية. ووقتها الدين لم يتعارض أبدا مع العلم ، ولذلك كان العلماء في أوربا يترجمون الكتب العربية والفارسية للإنجليزية وليس العكس.


ثانيـا ، رغم قناعتي بدور الديمقراطية في العالم ، من قال بأنها تعني دائما السلام والرخاء كما تقول؟ انظر للصين فهي أكبر منافس لكم ، وهي دون شك القوة الاقتصادية الكبرى في المستقبل القريب ، ومع ذلك فهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية التي تتحدث عنها. قال:

- صحيح ، ولكني أعتقد بأنها ستكون أكثر قوة ورخاءا لو كانت ديمقراطية.

- كيف أنت موقن بذلك؟! انظر ماذا فعلتم في العراق؟ كان قوة ديكتاتورية دون شك ولكن قوية اقتصاديا ومستقرة سياسيا. أما اليوم فهي ديمقراطية في رأيكم ، ولكن مفلسة وبعيدة كل البعد عن السلام والرخاء.


اعطيت ردي بطريقة "كش ملك" ، وغادرت وأنا أحتفظ على بسمة مصطنعة.. أما هو فتركته حائرا أعوج اللسان.

***

مر على هذه القصة شهور قليلة ، وها أنا أكتب هذه الكلمات كالعادة من مقهى (بيتس) لا زلت أرى شيخنا الديمقراطي كل يوم تقريبا. لا يزال يأتي وحيدا.. يشرب قهوته وحيدا ، ولا يزال كوبه يئن ويتوجع كل حين. صار يتحاشى النظر إلى والقاء السـلام ، وإن ابتسمت ملقيا التحية رد ببرود وكأنه لا يذكرني ، وكأن الديمقراطية قد فشلت في إثراء علاقة بين كندي ديمقراطي ، وسوداني مسلم!


قبلت طلبه بترحاب شديد ، و أجبت كل أسئلته التقنية. وبعد أن انتهيت سأل:

- من أي البلاد أنت؟

قلت السودان. سعد جدا وقال أنه لم يلتق أحدا من السودان قد. عاد فسأل وهو يفكر:

- هل أنت من الجزء المسلم أم المسيحي؟

- المسلم...

غابت الابتسامة الكبيرة فجأة ، ولم يقل شيئا سوى اهتزازة بسيطة من الرأس تقول أن الرسالة قد وصلت.


أسند ظهره للخلف وأخذ شرفة أخرى من قهوته ، ثم وضع كوبه بقوة كالعادة ، وقد بدا أنه في مزاج للحديث المتواصل. بدأ يحكي أنه من مدينة واترلو الكندية وأنه يعيش في مدينة سان فرانسسكو لأكثر من ثلاثين سنة ، كيف جاء ، وماذا عمل قبل التقاعد ، وهواياته. وفي حديثه لاحظت أنه كان يستمتع وهو يسألني أسئلة تاريخية صعبة ، فسألني عن السنة التي حل فيها كريستوفر كولمبوس لأمريكا الشمالية ، وعن الهنود الحمر. وجميعها مواضيع أجهل عنها تماما! فراح يشرح ويشرح حتى أخذنا الحوار أكثر من ثلاثين دقيقة ، وأنا أنظر للساعة كل حين خوفا من التأخر على موعد كان مع صديقي إبراهيم مأمون.


وبين حديثه المتواصل الذي بدأت الملل منه ، وأسئلته التاريخية الصعبة ، صرت أنظر لوجهه في سراب ، وإلى فم يتراقص فتخرج عنه حروف أراها ولا أسمعها.. سأل فجأة:


- في رأيك ما هو أعظم اكتشاف توصلت إليه البشرية؟


ولأول مرة أحس أن لديه سؤال بعيد عن الملل. قلت بعد تفكير:


- الكهرباء. وشرحت لماذا الكهرباء في رأيي. تركني أكمل تفسيري ، ثم قال:


- لقد لامست جزءا من قلبي لقولك الكهرباء لأني كنت كما ذكرت مهندس كهرباء. ولكن لاحظ أنني قلت ما أعظم "اكتشاف" وليس "اختراع" ، وهناك فرق كبير.


فقلت ما هي إجابتك إذا؟ ولعل سؤالي هذا ما كان ينتظر طوال هذه المدة. تمدد على كرسيه في ارتياح ، ووضع رجلا على أخرى ، ثم قال:


- الديمقراطية.


وللحديث بقية.



بعنوان مشابه لآخر انتقاه الدكتور مصطفى محمود لواحد من أفضل كتبه "حوار مع صديقي الملحد" أخترت أن أسمي حديثي.

مثله كأي يوم آخر ذهبت لمقهى "بيتس" أحتسي قهوة أعلم عن يقين أنها تماما ما كنت أفتقد في تلك الساعة. وعندما تذهب لمقهى "بيتس" يوميا مرة أو اثنتين فلابد أن تدرك بعضا من الوجوه المألوفة.. أو الزبائن المخلصين. ومن بين الزبائن المتكررين رجل كبير في العمر.. ربما يكون في أواخر العقد السابع. أراه كل يوم يأتي وحيدا.. يشرب القهوة.. وحيدا.. ثم ينصرف.. وحيدا.. دون كلمة.


كان يلفتني إليه أمرين ، أنه وحيد دائما.. حتى من كتاب. فقلت في تحليل نفسي داخلي أنه ربما يسكن في دار العجزة الذي هو على بعد خطوات من مقهى "بيتس". أما الأمر الثاني فكان في طريقة شربه للقهوة. فهو يحتسي شرفة ثم يضع الكوب على الطاولة بقوة وبطريقة مزعجة تجعلك تخشى على الكوب أن ينكسر في أي لحظة ، وتجعلك تأسف كل حين على قعر الكوب وأن تسمعه يتوجع ويئن!


ولكن في عصر ذلك اليوم بالتحديد بدا الشيخ الكبير مختلقا. فلم يكن وحيدا. كان معه جهاز كمبيوتر محمول ، فنظرت إليه خلسة في إعجاب وقد بدا من حركاته إنه متمكن من استعماله. وما هي إلا دقائق قليلة حتى رأيته يتحرك نحوي ولأول مرة أسمع له حسا! كان مختلقا ولا يشبهه إطلاقا! كان أكثر قوة وثقة. قال:

- هل تسمح لي بدقيقة ، أريدك أن تريني كيف أستطيع الاتصال بالشبكة اللاسلكية من جهازي المحمول.


وكان ذلك بداية الحوار الديمقراطي... وللحديث بقية.

رغم أن البدوذية ديانة معظم الشعب إلا أن العدد الهائل المنتشر للكنائس يشعرك وكأن موكب المسيحية قد مر هذا المكان. الكنائس كثيرة جدا ، وفي كل مكان. الأمر الأعجب هو ما تلتقطه عينيك في الليل ، فمن كل هذه الكنائس يمتد صليبا عاليا مضاءا باللون الأحمر يلفت الانتباه وإن كنت مصابا بالعشى!


أما الرحلة الأجمل فكانت إلى الحدود مع كوريا الشمالية. فهناك حافلات يومية تستقل المئات من السائحين حتى أقرب نقطة إلى واحدة من أكثر الدول غموضا. استقليت الباص في الصباح في رحلة تستغرق نحو ساعتين ، مع عدد كبير من السائحين الأمريكان ، وجمع من طلبة الجامعات ضمن برامج التبادل ، وعدد لا بأس به من دول أسيوية أخرى. توقفنا اولا عند أحد أشهر الأنفاق التي تربط الكوريتين. النفق طوله 2,5 كم وعمقه 250 مترا تحت سطح النهر الذي يفصل الكوريتين. وقد بنى الشماليون هذا النفق سرا في خطوة شديدة الدهاء تحسبا لأي حرب من الجنوب ، فيكون لهم قدرة القيام بعمل هجومي مفاجي يستيطيعون به نقل الجنود والمعدات الخفيفة! وقد اكتشف الجنوبيون النفق في التسعينيات ثم جعلو منه منطقة سياحية!


التخاطب مع عامة الناس لم يكن سهلا. ولكن حمدا للغة الإشارة! وجدت الشعب الكوري طيبا ومرحبا بالغريب بكل بساطة وعفوية. على النقيض من الياباني.. فالياباني خدوم جدا و بإخلاص ولكنك دائما تشعر بأنه يؤدي في واجب أو خدمة وطنية ، أما الكوري فهو أكثر ابتساما وأقل رسمية. أذكر أنه عندما زرت المتحف الوطني كانت هنالك رحلة مدرسية لأطفال دون سن العاشرة ، وما أن رأتني أحد الفتيات حتى ابتهجت دواخلها وخوارجها ، وكأني تشكلت كبطل أحد أفلام هوليوود ، فنادت من بعيد (هالو هالو!) ، فرددت الابتسامة والسلام من بعيد. لم تكتف بذلك ثم سريعا رفعت كفها وهي تقول إلى (هاي فايف!) ، مشيت نحوها ورددت الـ (هاي فايف) فضحكت بشدة حتى كادت تسقط ، ثم سريعا ما وجدت نفسي محاطا بأطفال مرفوعي الأكفة ويقولون (هاي فايف.. هاي فايف!). نفس التحية (هالو) سمعتها كثيرا في الشارع من غرباء أثناء تجوالي!


وفي يوم كنت أبحث عن محل معين لبيع الالكترونيات ، ولما جلت في الشارع مرارا وتكرارا دون أن أجده قررت السؤال. وجدت شابا في سني قادما من الاتجاه المعاكس إلي.. قلت عل وعسى يعرف شيئا من الانجليزية. سألته فقال أنه يعرف المكان ، ثم بدلا أن يصفه إلى قال اتبعني! تبعته لنحو مائة متر في اتجاه معاكس لاتجاه سيره ، حتى وصلنا أمام مبني ثم قال هذا هو!


وفي ثاني يوم لي قررت الغذاء في مطعم كوري وأن أأكل ما يأكله الكوريون. وجدت محلا بدا من الخارج مميزا ، خطوت نحو باب الدخول فلم أجد مقبضا لدفع الباب ، وإنما زرا تضغطه فينفتح الباب وكأنك داخل على مركبة فضائية! وبلغة الإشارة قلت للجرسونة أريد من هذا وأن أشير للصورة. عادت بعد دقائق وهي مبتسمة ووضعت على طاولتي أطباقا كثيرة ، شيئا كالشوربة ، أرز ، الطبق الرئيسي وكان دجاجا ومعه مقص! ، ثم مقبلات كثيرة وزعت في أطباق كثيرة وصغيرة جدا. تركتني الجرسونه وأنا أنظر لما طلبت محاولا أن أفهم كيف سأأكل ، وماذا يفعل المقص في منتصف الطبق! وبلغة الإشارة من جديد ، أشرت للجرسونه وإشاراتي تقول ماذا أفعل الآن؟ ضحكت بشدة ثم ناولتي الملعقة وهي تشير إلى الشوربة ، ثم مسكت المقص وقطعت لي الدجاج قطعا صغيرة فأشارت إلى أن أأكله ثم أتبعه بملقة من الأرز وأي من صحون المقبلات! وكان ذلك درسي الأول في طقوس الأكل الكوري!




مما لا تخطئه العين عن طبيعة سيؤول أنها جبيلة. فالمدينة كلها عبارة عن مرتفع وراء آخر. فلا يمكنك السير طويلا دون أن تتسلق أو تهبط من مرتفع ما. وعندما تسير بك السيارة في أي من هذه المرتفعات سترى شوارعا وأزقة ضيقة مكتظة بالحركة والسكان. والسير في هذه الجبال أو المرتفعات كلعبة الدهليز! متاهة كبيرة!


وهنالك تذكرت معلومة استعجبت لها وأنا أقرأ كتابا عن سيؤول قبيل وصولي تقول بأن معظم شوارع سيؤول لا تحمل أسماءا ، وأن الوصف لا يتم دون ذكر أي من المعالم المعروفة كأن تقول قرب القصر الفلاني ، أو شمالا لمركز الشرطة في المرتفع الفلاني.


الشكل العام للمدينة كان مغايرا قليلا لما توقعت. لسبب أو لآخر اعتقدت بأنها ستكون شبيهة بطوكيو ، ولكنها لم تكن تماما كذلك. بل أحسست بأنها مزيجا بين بكين (رغم أني لم أزرها) وطوكيو.. وإن كانت أقرب إلى بكين حسب ما أتخيلها. وفي قراءة بسيطة لتاريخ كوريا يمكنك أن تعرف السبب.. فكوريا لم تعرف الاستقلال إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والهزيمة الشهيرة لليابان. قبلها ولقرون ظلت كوريا (الجنوبية والشمالية) إما مقاطعة صينية أو يابانية. أما التاريخ الكوري فلا يذكر الاستعمار الياباني إلا بكل شر ، ولا يذكر الصيني إلا بكل وكل الخير! رغم أن لكلاهما فضل كبير في النهضة الكورية ، ولكن يبدو أن قسوة وبطش المستعمر الياباني كان أثرهما أكبر في نفوس الناس.. فتلاشت واختفت كل الحسنات. وهي طبيعة الانسان على أي حال...


وفي مدينة سيؤول متحف كوريا الوطني ، وهو من الضخامة أنه يقال إن مررت على كل أدواره وأقسامه فكأنك مشيت ثلاثة كيلومترات. وعلى نفس أرض المتحف في يوم من الأيام كان مقر الإدراة اليابانية عندما كانت كوريا جزءا من اليابان. وبمجرد خروج اليابان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ثم هدم المبني بالكامل في إشارة للحرية والاستقلال. حتى تقرر في عام 2005 بناء هذا المتحف العملاق على نفس المكان.





































حملتني الرياح في سكون حتى أوصلتني لمدينة سيؤول في كوريا الجنوبية. نفس ذات الرياح ولكن باتجاه معاكس وبتوتر شديد عادت بي للتو وفي ذاكرتي مخزون جميل يستدعي التدوين.


وصلت لسيؤول في مغرب أصيل. أما الجو فكان على ما يرام... لم يكن لا باردا تقشعر منه الأبدان ، ولا حارا تنفر منه الثياب. استقليت حافلة الفندق من المطار وأنا أمتع النظر بشغف ، وفي كل لحظة وأخرى في ذلك المساء كانت سيؤول تترسم لي بأشكال مختلفة. فتارة يخيل إلي أني أقطع شارعا في وسط مدينة أبوظبي... بنفس علو العمارات ، وضيق الشوارع ، والإضاءة البيضاء. وأحيانا أخرى وأنا أرى أطراف الشاطيء ومنترها على طرفه ، أكاد أجزم أن ذلك المنتزه ليس إلا على أطراف النيل.


وصلت إلى الفندق أخيرا ولم أدر إن كانت كل تلك التشبيهات السريعة حقيقة أو خيالا ، أم هي شوق وحنين لأبوظبي والخرطوم ، فتشبه إليّ جمال شيء بشيء آخر عزيز.. أو أن ذلك لا حقيقة ، ولا شوقا وإنما هضربات مسافر تعب من السفر الطويل ، وشح النوم على سرير مريح...


ولم يزل في الرحلة شيئا يُذكر..


والذي جعلني أذكر هذا الحديث القديم رغم مرور قرابة ثماني سنوات هو ما رأيته في عصر ذلك اليوم... في الهند ، مدينة بـونا تحديدا.



جاء السائق كي يعود بي من مطعم إيراني جميل قررت تناول الغذاء فيه وابتلاع قدر من البرياني الشهي. جاء بسيارته التي حرص على نظافتها ، وهو يلبس طاقية بيضاء اختارت الجلوس فوق شعره بدلا من رأسه. فتح باب السيارة بكل تهذيب ، مع قدر لا بأس به من اهتزازات الرأس معربا عن احترام شديد.


وما أن بدأ السائق في استعدال السيارة باتجاه الشارع الرئيسي حتى وجد سيارتين فارهتين وقد أغلقتا الشارع الفرعي. نزل أسياد السيارتين وكانا شابين وتبدو عليهما كل مظاهر الجاه من الملبس إلى السيارة الفارهة. نزلا من السيارة ثم سريعا ما تبادلا العناق والحديث الحار. قام السائق وهو لا يزال يتابع معي المشهد السينمائي بالضغظ على بوق السيارة بخوف متردد:


" ت .. ت .. تيت .. "


... لا رد


تمر دقيقة ، فيعود البوق من جديد: " ت .. ت .. تيت .. " ، نظر أحدهما نحو السائق ثم استدار سريعا نحو صاحبه مكملا حديثه ، وكأن شيئا لم يحدث. عندها عرف السائق (المقهور) أن ما لديه خيارا سوى الانتظار ، وتأمل أطراف الحديث.


تمر دقيقة أخرى فيتحرك الشابين ، وينفتح الشارع من جديد ومع ذلك يجد السائق صعوبه في استعدال السيارة في ذلك الشارع الضيق. وجد السائق نفسه مواجها لثلاثة رجال اختاروا الأرض مرتعا لاحتساء الشاي وتبادل الحديث في سكينة. وما أن رآهم السائق حتى فرّغ بوق السيارة في المساكين الثلاثة ، فقاموا من مجلسهم في خلعة. نظر اليهم باشمئزاز وهو يلعن ويسخط! أما هم فاختاروا الصمت. تعجبت بشدة ، ورحت أتابع من بعيد تصرف الرجال الثلاثة وأنا أتسائل: هل انتهت الحلقة عند تلك البقعة ؟ أم سيجدون من يقدرون عليه فيفرغوا شحنة موجعة من القهر؟

دفعت بي مجموعة المشاهد التي رأيتها في عصر ذاك اليوم لتذكر قول عابر لأستاذ لي في جامعة الإمارات. كان مساقا لمادة لا علاقة لها بتخصصي على الإطلاق اسمها "إدارة المؤسسات الإعلامية" ، وهو من قسم الإعلام بكلية الآداب. وكما يُحسن ذكر الشيء بالشيء ، فمما يحمد للنظام الدراسي في جامعة الإمارت أنه ضمن أي خطة دراسية مساقان يسميان بالمساق الحر. فيكون للطالب حرية اختيار أي مساق من أي كلية. كان لذلك نعمة كبيرة لي فأخذت مساقين طالما استحوذا اهتممامي ، ومنهما كان هذا المساق من قسم الإعلام.

قال الدكتور على الشمسي وهو استاذ فاضل ، بل ومن أجود الأساتذة الامارتيين في الجامعة. من ذاك الصنف النادر الذي يدرس عن حب ، وبكامل الاستمتاع. قال الدكتور في حديث عابر أن داخل كل نفس مضطهضة رأت أو عاشت الاضطهاد عقدة.. اسمها عقدة القهر. وأن هذه العقدة هي التفسير الوحيد الذي يجعل الموظف الغلبان مستبدا يوم وصوله إلى درجة مدير ، وهي نفسها – العقدة – التي تجعل المسكين ذا البسمة المضيئة إلى صاحب وجه لا يعرف الابتسام عندما يصبح ذا نعمة ، بل وينسى وينكر أصله وأهله. وهذه العقدة يمكن تلمسها في المجتمعات الفقيرة ذات طبفية واضحة ككثير من دول العالم الثالث.

يكمل الدكتور حديثة الممتع فيقول أن كل مضطهد انما يتخلص من ضغط يأتيه من طبقة فوقه. فالمدير يضطهد (يقهر) الموظف إما لكي يتخلص من ضغط مرؤوسه ، أو لأنه كان يضطهض يوم كان موظفا. والموظف يقهر العامل كي يتخلص من ضغط مديره! وتدور الحلقة بين كل أطراف المجتمع...

وللحديث بقية...

مدينة سان بيرناردينو قد لا تكون ملهمة المنظر ، ولا مسرحا للشاعر والفنان. فهي مدينة صغيرة في جنوب ولاية كالفورنيا. إيقاعها بطيء ، ومعظم سكانها من الطلاب والعاملين بالجامعة ، وآخرين اختاروا التقاعد فيها. ومع ذلك فلها وقع خاص في قلبي.



حللت عليها أول مرة في الليلة الآخيرة من عام 2002 عندما جئت لدراسة الماجستير في علوم الكمبيوتر. جئت وأن أحمل الكثير من الأفكار.. أو لعلها فوضى الأحلام. فتارة تأتيك فكرة تثير في قلبك الكثير من الأمل ، وأحيانا كثيرة أخرى ترى نفسك في غرفة مظلمة داكنة السواد ، وأنت تسمع وحوش الغربة تحاوطك من كل مكان. فلا تدرك أين المفر. ولا تجد غير أقرب الأقربين إلى قلبك حتى تكشف عن ما فيه... عبر الأسلاك. وأنت تعلم بأن الأسلاك ماهي شفاء ، وإنما مُسَكِن لآلام قارصة. وأحيانا أخرى لا تريحك حتى أحن المسكنات ، فلاتجد غير القلم والدفتر وعاءا صبورا لكل هذه الفوضى. كتبت أيامها وأنا في تلك الغرفة المظلمة فقلت:


"إنها وحدة يقشعر منها البدن ، ويغيب عنها صوت الأمل ، فيظل حصن الوحدة مسيطرا ، فيطغى ، ويقهر ، ويستبد ، ولا يرق له قلب ، ولا ينفع معه لا دمع ولا رجاء ولا توسل. فنعلن الخضوع ، ونحني ظهورنا كرها ، ونقَّبل قدميه قبل يديه ونقول: السماح سيدي.. فنحن عبيدك حتى تأذن لنا. فمتى سيأذن؟!.. وكل خوفي أن لا يأذن!".


بكيت.. حتى وجدت الصحبة.. أعز الأصدقاء: (فيشال) من الهند ، (فولكان) و (بكيت) من تركيا. فرقتنا الأصول والحدود ، وجمعتنا الغربة وآلامها. فنسينا أوتناسينا الآلام بالأحلام ، وتجاوزنا همهمات النفوس بأطيب الحديث.

ويوم دقت الساعة معلنة موعد الرحيل عن سان بيرناردينو ، بكيت من جديد. اكتشفت حبي للناس والمكان. أيقنت كم كنت محظوظا بتلك الرفقة. تذكرت المحاضرات ، والمشاريع ، والواجبات ، والسهرات في مختبرات الجامعة حتى الفجر. تذكرت شهامة (فيشال) وحسن نواياه. أدركت كيف استطاع كسر حصن وحدتي بأفعال بسيطة في عددها ، وكبيرة في معناها. تأملت في كرم (بكيت) المتواصل وجلسات الشاي والقهوة التركية في منزلها. تذكرت طيبة (فولكان) وحديثنا اللامنتهي عن آخر تقنيات البرمجة. ضحكت على ذكريات طريفة ، وارتجف قلبي لأخريات.


وها أنا اليوم أعود لزيارة سان بيرناردينو في عطلة نهاية الأسبوع ، وأنا سعيد بأن صحبتي في الطريق نحو تحقيق أحلامهم ، وسعيد أكثر لأن النفوس هي النفوس ذاتها.. محبة ، مشتاقة.


قلت وأنا أتابع منظر الهبوط: أما هكذا هي الحياة ؟ تذهب بنا أين ما شائت ، ونعود متى شئنـا ؟!


ح.ع - 16 نوفمبر 2008



Subscribe to: Posts (Atom)