Harith's Space!

In "Harith's Space!" I share some personal feelings, memories, thoughts and observations. Help me to make this space positive by allowing me to learn from your feedback.


Showing posts with label Travel. Show all posts

رغم أن البدوذية ديانة معظم الشعب إلا أن العدد الهائل المنتشر للكنائس يشعرك وكأن موكب المسيحية قد مر هذا المكان. الكنائس كثيرة جدا ، وفي كل مكان. الأمر الأعجب هو ما تلتقطه عينيك في الليل ، فمن كل هذه الكنائس يمتد صليبا عاليا مضاءا باللون الأحمر يلفت الانتباه وإن كنت مصابا بالعشى!


أما الرحلة الأجمل فكانت إلى الحدود مع كوريا الشمالية. فهناك حافلات يومية تستقل المئات من السائحين حتى أقرب نقطة إلى واحدة من أكثر الدول غموضا. استقليت الباص في الصباح في رحلة تستغرق نحو ساعتين ، مع عدد كبير من السائحين الأمريكان ، وجمع من طلبة الجامعات ضمن برامج التبادل ، وعدد لا بأس به من دول أسيوية أخرى. توقفنا اولا عند أحد أشهر الأنفاق التي تربط الكوريتين. النفق طوله 2,5 كم وعمقه 250 مترا تحت سطح النهر الذي يفصل الكوريتين. وقد بنى الشماليون هذا النفق سرا في خطوة شديدة الدهاء تحسبا لأي حرب من الجنوب ، فيكون لهم قدرة القيام بعمل هجومي مفاجي يستيطيعون به نقل الجنود والمعدات الخفيفة! وقد اكتشف الجنوبيون النفق في التسعينيات ثم جعلو منه منطقة سياحية!


التخاطب مع عامة الناس لم يكن سهلا. ولكن حمدا للغة الإشارة! وجدت الشعب الكوري طيبا ومرحبا بالغريب بكل بساطة وعفوية. على النقيض من الياباني.. فالياباني خدوم جدا و بإخلاص ولكنك دائما تشعر بأنه يؤدي في واجب أو خدمة وطنية ، أما الكوري فهو أكثر ابتساما وأقل رسمية. أذكر أنه عندما زرت المتحف الوطني كانت هنالك رحلة مدرسية لأطفال دون سن العاشرة ، وما أن رأتني أحد الفتيات حتى ابتهجت دواخلها وخوارجها ، وكأني تشكلت كبطل أحد أفلام هوليوود ، فنادت من بعيد (هالو هالو!) ، فرددت الابتسامة والسلام من بعيد. لم تكتف بذلك ثم سريعا رفعت كفها وهي تقول إلى (هاي فايف!) ، مشيت نحوها ورددت الـ (هاي فايف) فضحكت بشدة حتى كادت تسقط ، ثم سريعا ما وجدت نفسي محاطا بأطفال مرفوعي الأكفة ويقولون (هاي فايف.. هاي فايف!). نفس التحية (هالو) سمعتها كثيرا في الشارع من غرباء أثناء تجوالي!


وفي يوم كنت أبحث عن محل معين لبيع الالكترونيات ، ولما جلت في الشارع مرارا وتكرارا دون أن أجده قررت السؤال. وجدت شابا في سني قادما من الاتجاه المعاكس إلي.. قلت عل وعسى يعرف شيئا من الانجليزية. سألته فقال أنه يعرف المكان ، ثم بدلا أن يصفه إلى قال اتبعني! تبعته لنحو مائة متر في اتجاه معاكس لاتجاه سيره ، حتى وصلنا أمام مبني ثم قال هذا هو!


وفي ثاني يوم لي قررت الغذاء في مطعم كوري وأن أأكل ما يأكله الكوريون. وجدت محلا بدا من الخارج مميزا ، خطوت نحو باب الدخول فلم أجد مقبضا لدفع الباب ، وإنما زرا تضغطه فينفتح الباب وكأنك داخل على مركبة فضائية! وبلغة الإشارة قلت للجرسونة أريد من هذا وأن أشير للصورة. عادت بعد دقائق وهي مبتسمة ووضعت على طاولتي أطباقا كثيرة ، شيئا كالشوربة ، أرز ، الطبق الرئيسي وكان دجاجا ومعه مقص! ، ثم مقبلات كثيرة وزعت في أطباق كثيرة وصغيرة جدا. تركتني الجرسونه وأنا أنظر لما طلبت محاولا أن أفهم كيف سأأكل ، وماذا يفعل المقص في منتصف الطبق! وبلغة الإشارة من جديد ، أشرت للجرسونه وإشاراتي تقول ماذا أفعل الآن؟ ضحكت بشدة ثم ناولتي الملعقة وهي تشير إلى الشوربة ، ثم مسكت المقص وقطعت لي الدجاج قطعا صغيرة فأشارت إلى أن أأكله ثم أتبعه بملقة من الأرز وأي من صحون المقبلات! وكان ذلك درسي الأول في طقوس الأكل الكوري!




مما لا تخطئه العين عن طبيعة سيؤول أنها جبيلة. فالمدينة كلها عبارة عن مرتفع وراء آخر. فلا يمكنك السير طويلا دون أن تتسلق أو تهبط من مرتفع ما. وعندما تسير بك السيارة في أي من هذه المرتفعات سترى شوارعا وأزقة ضيقة مكتظة بالحركة والسكان. والسير في هذه الجبال أو المرتفعات كلعبة الدهليز! متاهة كبيرة!


وهنالك تذكرت معلومة استعجبت لها وأنا أقرأ كتابا عن سيؤول قبيل وصولي تقول بأن معظم شوارع سيؤول لا تحمل أسماءا ، وأن الوصف لا يتم دون ذكر أي من المعالم المعروفة كأن تقول قرب القصر الفلاني ، أو شمالا لمركز الشرطة في المرتفع الفلاني.


الشكل العام للمدينة كان مغايرا قليلا لما توقعت. لسبب أو لآخر اعتقدت بأنها ستكون شبيهة بطوكيو ، ولكنها لم تكن تماما كذلك. بل أحسست بأنها مزيجا بين بكين (رغم أني لم أزرها) وطوكيو.. وإن كانت أقرب إلى بكين حسب ما أتخيلها. وفي قراءة بسيطة لتاريخ كوريا يمكنك أن تعرف السبب.. فكوريا لم تعرف الاستقلال إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والهزيمة الشهيرة لليابان. قبلها ولقرون ظلت كوريا (الجنوبية والشمالية) إما مقاطعة صينية أو يابانية. أما التاريخ الكوري فلا يذكر الاستعمار الياباني إلا بكل شر ، ولا يذكر الصيني إلا بكل وكل الخير! رغم أن لكلاهما فضل كبير في النهضة الكورية ، ولكن يبدو أن قسوة وبطش المستعمر الياباني كان أثرهما أكبر في نفوس الناس.. فتلاشت واختفت كل الحسنات. وهي طبيعة الانسان على أي حال...


وفي مدينة سيؤول متحف كوريا الوطني ، وهو من الضخامة أنه يقال إن مررت على كل أدواره وأقسامه فكأنك مشيت ثلاثة كيلومترات. وعلى نفس أرض المتحف في يوم من الأيام كان مقر الإدراة اليابانية عندما كانت كوريا جزءا من اليابان. وبمجرد خروج اليابان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ثم هدم المبني بالكامل في إشارة للحرية والاستقلال. حتى تقرر في عام 2005 بناء هذا المتحف العملاق على نفس المكان.





































حملتني الرياح في سكون حتى أوصلتني لمدينة سيؤول في كوريا الجنوبية. نفس ذات الرياح ولكن باتجاه معاكس وبتوتر شديد عادت بي للتو وفي ذاكرتي مخزون جميل يستدعي التدوين.


وصلت لسيؤول في مغرب أصيل. أما الجو فكان على ما يرام... لم يكن لا باردا تقشعر منه الأبدان ، ولا حارا تنفر منه الثياب. استقليت حافلة الفندق من المطار وأنا أمتع النظر بشغف ، وفي كل لحظة وأخرى في ذلك المساء كانت سيؤول تترسم لي بأشكال مختلفة. فتارة يخيل إلي أني أقطع شارعا في وسط مدينة أبوظبي... بنفس علو العمارات ، وضيق الشوارع ، والإضاءة البيضاء. وأحيانا أخرى وأنا أرى أطراف الشاطيء ومنترها على طرفه ، أكاد أجزم أن ذلك المنتزه ليس إلا على أطراف النيل.


وصلت إلى الفندق أخيرا ولم أدر إن كانت كل تلك التشبيهات السريعة حقيقة أو خيالا ، أم هي شوق وحنين لأبوظبي والخرطوم ، فتشبه إليّ جمال شيء بشيء آخر عزيز.. أو أن ذلك لا حقيقة ، ولا شوقا وإنما هضربات مسافر تعب من السفر الطويل ، وشح النوم على سرير مريح...


ولم يزل في الرحلة شيئا يُذكر..


في أحد الأيام سألني الموظف في بوابة الدخول بفضول من أي البلاد أتيت. قلت من السـودان. فنظر إلي بإعجاب كبير ، ثم سأل أليس السودان في شمال شرق أفريقيا؟ فأجبت بإيجاب ، فازداد بسمه. قال أنه لم ير أحدا من السودان قط في هذا المكان. سألته من أي البلاد هو ، فقال اليابان. فنظرت له أنا هذه المرة بإعجاب شديد وقلت زرت طوكيو وقد أحببتها بكل ما فيها.

وفي نفس اليوم في وقت لاحق مررت بالرجل الياباني من جديد ، فأشار إلى ثم قال لقد تذكرت أمرا مهما نؤمن به هنا في منتجع أوشو ، وهو إن زارنا شخص من بلد جديد علينا ، فإن السلام سيعمه عن قريب. ابتسمت وأنا أذكر دارفور فقلت له آمين آمين آمين!

الناس معظمهم من أوربا ، ولسبب ما معظمهم من النساء وبمعدل جمال عال جدا جدا! وربما كان لذلك شأن آخر في زيادة الاسترخاء! تحدث مع عدد.. فالجميع هنالك يشتركون بصفة جميلة وهي التحدث مع أي شخص ، وحب التعرف على أخوانهم المتأملين! تحدثت مع فرنسية قد تكون في منتصف الأربعين جاءت للتعرف علي شوقا لتحدث الفرنسية ، فاحبطت عندما عرفت بأني مابها بمتحدث! قالت أنها كانت تعمل في برامج الأمم المتحدة في أفريقيا ، فعملت في دول أذكر منها يوغندا وكينيا. قالت أنها أتت إلى هذا المكان كي تنسى كل ما رأته.. تريد أن تنسى منظر الخوف ، والقتل ، والدم.

أما (ماريا) الأرجنينية فهي صغيرة ومجمال الوردة التي أوشك موعد تفتحها ، أكاد أشك أنها قد بلغت العشرين. قالت أنها جاءت من الأرجنتين خصيصا لتبقى في هذا المنتجع لثلاثة أشهر. جلسنا على طاولة الغذاء ، وطوال النصف ساعة لم تحك عن نفسها إلا القليل. كانت لا تضحك ، وإن ابتسمت فهي ابتسامة حزينة. أحسست أن فكرها في مكان آخر ، قطعا لم يكن معها في تلك اللحظة ، ربما كان لا يزال في الأرجنتين. جعلتني (ماريا) أفكر فيما بعد مالذي رأته هذه الشابة في حياتها القصيرة ، حتى تقطع دراستها و تهرب من الأرجنتين ، وتشق بحارا ومحيطاتا لتستقر في هذا المكان لثلاثة أشهر!


BRAKFAST MENUS

BRAKFAST MENUSفي كل يوم بدءا من السادسة صباحا إلى السادسة مساءا تقام أعداد كبيرة من جلسات التأمل في قاعات هادئة جدا جدا ، ومبنية من جدران وشبابيك عازلة للصوت. معظم الجلسات تستغرق ساعة واحدة. هناك على سبيل المثال جلسة اسمها

Silent Meditation

حيث يجلس المشاركون على مساند في الأرض على أرضية من الرخام ، في غرفة خافتة الإضاءة ، ومحاطة بزجاج عازل للصوت. يجلس الجميع على المسندة ويغلقون أعينهم لساعة كاملة وفي أثناء ذلك يستمعون (يتأملون) أصواتا خارجة من مسجل وضع في منتصف الغرفة. المسجل به تسجيلات لأصوات نسمعها بشكل يومي ، ولكن دون أدراك أو تركيز ، كزقزقة العصافير ، خرير الماء ، صوت قطار متحرك. الكل يستمع بتأمل لبداية ونهاية كل صوت.


المكان بلا شك منتجع.. فهو كواحة خضراء في مدينة لا ترى اللون الأخضر كثيرا. وإن رأيته لاحترت داخل نفسك ، وسألت أأخضر كان فاصفر أم العكس؟! اللباس الرسمي داخل المنتجع ولكل الأعضاء والموظفين هو الروب ذا اللون الماروني ، ويمكن شراؤه من محل في داخل المنتجع نفسه ، أو من محلات كثيرة حول المركز.

الناس جميهم منتعشون ، فيتحدثون بهدوء وابتسام. الناس وكأنهم في عالم آخر.. أجساد متحركة ، ونفوس سابحة في دنيا أخرى. في المنتجع مسبح جميل جدا بحجم أولمبي ، تجد الكثيرين (وكنت أحدهم!) يستجمون حول المسبح ، إما قارئين أو نائمين. هنالك مطعم كبير ، وأكثر من مقهى. كذلك غرف استحمام ، فندق ، عيادة ، بنك ، و مكتب بريد! أي باختصار يمكنك أن تقضي أشهر وأشهر دون الحاجة للخروج من المنتجع أبدا! وذلك ما عرفت لاحقا أنه ليس سوى حقيقة لكثيرين!

ذهبت للمنتجع ثلاثة مرات ، ومتى ذهبت تجد نفسك لا تستطيع المغادرة قبل حلول الظلام. فالمكان ممتع ومنعش ، بل ومريح نفسيا. في المكان صفاء جميل للنفس والعقل ، وفرصة نادرة للتأمل في السكون ، وخضرة الشجر ، وزرقة الماء ، وقدرة الخالق العظيم...

عندما زرت مدينة (بونا) الهندية قبل عام عرفت أن معظم السائحين في مدينة (بونا) إنما يأتون خصيصا لأجل منتجع (أوشو) للتأمل

Osho Meditation Resort.

لم تحن لي الفرصة تلك المرة لزيارة المكان ، فقد عرفت أنه ليس بالمكان الذي تزوره لتغادره بعد سويعات ، وإنما يأتيه الناس من أقاصي الأرض ليقضوا الزائرين إليه أياما وأيام! شائت الأقدار أن تخطو خطواتي هذا العام حتى تصل لبونا من جديد ، فعزمت داخل نفسي أن أكتشف المكان بعد ما أثار في نفسي فضول مثير.


ذهبت لمكتب التسجيل في صباح يوم سبت غائم وبه رذاذ لطيف.. ذاك الذي ينعش. استقبلتني فتاة سمراء ترتدي الروب الماروني اللون وهو اللباس الرسمي لكل الزائرين. أول ما رأيت هذه الفتاة شهقت من الدهشة ، فقد كانت تشبه بشكل غريب بل مثير صديقة لي في سان فرانسسكو! سألتها فيما بعد- وأنا لا زلت أتأمل الشبه العجيب - من أي البلاد أتت ، فقالت أنها من جنوب الهند.. مدينة كـيرلا. أتممت إجرائات التسجيل ، وأجريت فحص الإيدز كي أثبت براءة ذمتي ، واشتريت من نفس المكان الروب الماروني ، وتم قبولي عضوا في منتجع أوشو للتأمل!


ولا زال كثير...


وصلت في عصر يوم كان للمطر والغيم سيادة وغلَبَة ، فلم أنعم برؤية أي شيء من نافذة الطائرة سوى سحبا وغيوما أخلت بسكون الطائرة فأدخلت في نفس (البوينج 777) حرجا كثيرا وهي تظهر الثقة ، وتدعي الثبات. السفر متعة ومشقة ، وما من متعة أكبر من أن يسافر معك أحدا كصديقي إبراهيم مأمون ، فتختفي المشقة وتظل المتعة. فضحكنا وكأننا لم نضحك من قبل وتوادعنا وكأننا لن نلتق من جديد!

لا أذكر من قال بأن قيمة البلد في انسانه ، ولكن مهما كان فقد صدق. والصدق أصدق عندما يأتي ذلك لوصف الشعب الياباني. فلو سألت ما أكثر ما أثار إعجابي في اليابان ، لأجبت دون تفكير كثير وقلت (الناس)! أعجبني روح وطريقة اليابانيين في التعامل. فإن سألت أي شخص.. غريبا كان أم قريب لأجاب سؤالك بكل إخلاص وتفاني حتى ولو لم تخدمه اللغة. فمن المستحيل أن يجيبك بسرعة بعدم المعرفة ، بل سيحاول التفكير والتحليل والاستنتاج ، كي يأتيك بأحسن وأدق إجابة مدعمة بالأدلة وأدق التفاصيل! لأمر ما كنت أعتقد عكس ذلك عن الشعب الياباني ، أو بالأحرى قد هيأت نفسي إلى غير ذلك تماما. ولكنني أحسست بترحاب كبير بكل الأجانب. ترحاب بعيد عن التصنع والتكلف. وهم يسعدون جدا ويقدرون كذلك إن حاولت نطق كلمة يابانية في السؤال أو الشكر.

قول أخير.. إن زرت اليابان ومرّت عيناك على كل ما تراه مرور الكرام ، ودون تركيز أو تأمل فقد ظلمت شعبـا! فالسر في اليابان لا يكمن فقط في التأمل في كل ما يبدو غير عادي ، بل يتعدى ذلك في إدراك الشبه بين الأشياء المختلفة ، والتشابه بين الأشياء المختلفة! فإن أدركت هذه الأشياء ، وتمعنت في سلوك وتصرف الناس لتوصلت إلى جوهر الأمر. ومهما قلت ووصفت فستظل دائما الحقيقة أروع من الخيال!

حتى حين قريب لم يُكتب لي رؤية أي من دول جنوب شرق آسيا. كان بلا شك لذلك الجين دورا في إدخال زعزعة وقلقا داخل نفسي يعلن أن معاد السفر قد وجب! أليست الدنيا إلا ملاذا لأجساد مرتحلة ومُرحَّلَة؟!

فكرت في أي إتجاه أنطلق هذه المرة فقررت السير غربا وبالتحديد لأي من دول جنوب شرق آسيا ، وبالتالي كان لابد لليابان أن تكون مفتاحي لمعرفة هذا العالم العجيب. قررت اليابان لأكثر من سبب ، أولها يعود إلى بعض من ذكريات الطفولة والرسوم المتحركة! وثانيها أن اليابان كبلد تحكي عن قصة نجاح.. لبلد وصل إلى ما هو عليه بعد علقة ساخنة بدت لكثيرين وكأنها الضربة القاضية ، ولكنها مع ذلك قامت كالملاكم العنيد لتعلن الصمود ، لتعود من جديد إلى سباق التحدي. وأمام كل قصة نجاح لابد أن يكون لنا وقفة كي نفكر ونقارن ، وإلا فلن نتعلم ولن يُكتب لنا النجاح.

أما السبب الأخير الذي دعاني إلى تحديد معاد السفر في يومه وتاريخه رغم قربه من سفري للهند هو أن أخي (إبراهيم مأمون) قال أنه سيكون في اليابان في رحلة عمل في منتصف إبريل. فقلت له أما حان وقت السفرة التي طالما تحدثنا عنها؟! وبالتالي قرر ابراهيم المكوث لثلاثة أيام إضافية حتى يتسنى لنا اللقاء.

وكان اللقاء.. في 18 إبريل 2008.

ولابد أن يكون للحديث عن طوكيو بقية أخرى!

يقولون أننا كنا وكنا ، وأن الشوارع كانت مرصوفة ومشجرة. أما عن سكك الحديد والخطوط الجوية والبحرية فتباهي وتفاخر. ويقولون أن السودان كان يحكمه نوابغ وعلامة.. فانظر أين نحن اليوم. لا تغريني ناطحات السحاب على ملتقى النينلين كثيرا ، ولا الطرق التي تحسنت ، ولا الاقتصاد الذي يزداد تحسنا. كل هذه أمور إيجابية لا جدال فيها ، ولكنها في رأيي مبنية على أساس هش. فمن المؤسف هو غياب الشخص السوداني من كل هذا التقدم ، بل وتدحرجه للدرجات الدنى. ولهذا كان في قول أحمد شوقي حكمة للأجيال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. نسأل من جديد.. ماذا حدث ومالسبب ، فأعود وأقول مجددا أن الخلل يكمن في التربية والتعليم!

فاليعذرني الآباء وليسامحنى الأجداد وكل من ساهم في صنع الاستقلال ، ولكني أعتقد بكل أمانة بأنا حصلنا على الاستقلال قبل بلوغ سن النضوج! كالثمرة التي قُطفت قبل يومها ، فمهما فعلت وأضفت من رتوش فإنها لن تخلو من الحموضة. لطالما أحببت التاريخ ، ووجدت فيه دروسا وعبرا مستفادة ، ولهذا سأرجع إليه كي يُفهم حديثي. فعندما حل الاستقلال كان السودان لا يزال عبارة عن قبائل متفرقة لا يجمها غير اللغة والتقاليد ، وبالتالي نمت أجيال بانتماء قبلي سميك. وعندما جاء جيل منهم للتعليم في المدن أتو بنفس العقلية والخلفية القبلية لا الوطنية. فتعلموا على يد نظام تعليمي انجليزي لا يعني له السـودان كدولة شيئا كثيرا. وعندما عمل هذا الجيل في المصالح الحكومية فقد نجحوا بسبب الإدارة الإنجليزية ، ففرضت الضبط والربط والرقابة ، وبالتالي نمى جيل ناجح من الإداريين ، ومع ذلك فلم يتغير الانتماء الشخصي كثيرا ، فلا زال قبيليا وفاقدا للحس القومي. ولكي تصدق حديثي فهل حدث أن رأيت جعليا أو شايقيا يشتم قبيلته؟! يستحيل! ولكن من الطبيعي جدا أن يشتم السودان وأهل السودان ، وكأن قريته أو قبيلته من بلد آخر. على نفس المنوال ، هل رأيت مشجعا هلاليا يشتم نادي الهلال؟! كذلك يستحيل! ولكن من الطبيعي جدا أن يشتم المنتخب الوطني أو يشجع الأهلي المصري عندما يلعب ضد المريخ السوداني!

المثل يقول "فاقد الشيء لا يعطيه". وهو كذلك الجيل الذي جاء قبل الاستقلال. فالسودان كبلد لم يعني لهم شيئا كقريته أو قبيلته. فلم يربو أولادهم على حب الوطن ، وبالتالي نمت أجيال فاقدة لخصلة مهمة جدا. ولذلك لا تزال تسمع اليوم عن مدير الشركة الفلانية في البلد الفلاني لا يعين إلا أبناء القبيلة الفلانية!

يقول الشيخ محمد بن راشد المكتوم في كتابه ( رؤيتي ) أن الإدارة هي السبب الأول في سوء الأنظمة العربية. أنا أتفق معه كليا ، ومع ذلك أعتقد كغيري أن جزء كبير من فن الإدارة لا يأتي بالفطرة بل يجتاج شيئا من التعليم. وهي الحلقة المفقودة في نظامنا التعليمي. نظامنا التعليمي لا ينظر إلى تطوير الشخصية ، وتقويمها وتسويتها ، بل ينخرط بالرياضيات ، والفيزياء والشعر والمعلقات ، ويكرم من يحفظ أكثر بلا فهم ، ومن يستمع أكثر بلا نقاش. والأسوأ من ذلك كله أنه يفتقد إلى جزء مهم من العملية التربوية وهما عنصري القيم والأخلاق. ما فائدة طبيب فذ بلا أخلاقيات؟ أو مدير بنك بلا قيم ولا أخلاق؟ إن أبناء السودان يفتقدون لأبجديات الذوق والأخلاق ، واحترام حقوق الغير ، والاعتراف بالخطأ وعدم المعرفة ، وتقبل الرأي الآخر ، وأساسيات الحوار ، والاخلاص في العمل والنظام.

لم أفهم افتخار الهنود بغاندي إلا بعدما بدأت بسماع بعض أقواله ، ومنهـا واحدة في غاية الحكمة وهي التي أعمل بها فتقول (قم بالتغيير الذي تريد أن تراه في العالم) ، بمعنى آخر إن أردت أن تغير شيئا فابدأ بنفسك! يقولون أن لكل حصان كبوة ، ويقولون كذلك أن كل أمة نهضت بعد نكسة والمثال على ذلك أوربا عامة ، وأمريكا ، واليابان. ولكن اليد الواحدة لا تفعل شيئا ، فيجب أن نعمل جميعا كي نخلق جيلا جديدا ذو حس قومي.

أخي العزيز.. إبدأ بنفسك ، ولا تنتقد دون أن تصلح نفسك ومن حولك. وأنت أيها الأب الكريم ، أبنائك أمانة في عنقك وسوف تُسأل عن تربيتهما فاحسنها. وإلا فلن نصلح أبدا ، بل وسنلقي بأنفسنا في متاهة لا حول لها ولا قوة ، وإلا فخوفي كله أن تصدق فينا الحكمة القائلة:

«الشعب الذي يضع امتيازاته فوق مبادئه ، سرعان ما يخسر الأمرين»

والعذر لكن من يخالفني الرأي.. أم نسيت أنها محاولة لتحليل المفهوم وفهم اللامفهوم؟!

2- المكان: سوبرماركت حديث في حي الطائف.

السوبرماركت بكل ما فيه بشكله وديكوره كأنك في أبوظبي... حتى وصلت لمكان الدفع. وجدت أن الكل يعيد قفص الشراء بطريقة أقرب إلى الرمي ، فتتراكم الأقفاص فوق بعضهـا البعض بطريقة آيلة للسقوط في أية لحظة. أنزلت بعضها لأرتبها.. الكل ينظر إلى باستغراب وتعجب شديد.

3- أفتح الجريدة الرياضية فأجد أن الكل يتحدث عن آخر أخبار وتسجيلات ناديي الهلال والمريخ ، ولا حديث عن المنتخب الوطني الذي كان على مشارف المشاركة في كأس الأمم الأفريقية لأول مرة بعد أكثر من ثلاثين سنة!

4- حركة المرور في حالة لا تسر لا عدو ولا حبيب. الجميع مستعجل ، ولا يستطيع الانتظار ليعطي الفرصة للغير. الإشارات لا تعني شيئا للكثير سوى شكل من أشكال التحضر.

من هذه المشاهد البسيطة يمكنك الوصول لنفس المفردات المؤسفة التي توصلت لها وهي:

1- وطنية نائمة.

2- نظام منعدم.

3- أنانية مفرطة.

4- استهتار ذريع.

5- فشل إداري.

6- عدم ذوق فريد.

رغم تعدد المشاكل وتنوعها واختلاف الناس والمكان والزمان من مشهد لآخر فإن الأصل في المشكلة يرجع إلى أمرين. وإن حاولت التوصل لجدر أو مصدر المشكلة فستصل إلى نفس الكلمتين التي توصلت لهما: تربية وتعليم.

ولابد أن يكون للحديث بقية...

الكل يسـأل ماذا حدث؟ وأين كنا ، وكيف صرنا؟ أحاديث وأسئلة كثيرة تبحث عن إجابة مقنعة. والحق يقال فإن سؤال الناس وتعجبهم له دلالتين... الأولى سـلبية والثانية عكس ذلك. الأولى تقول بأنه وصلنا حال من التدهور فأصبح هلال رمضان جليا ولا خلاف عليه. أما الدلالة الثانية فهي تشير إلى عدم رضى في داخل كل متسائل ، ورغبة لتغيير الحاضر والعودة لما كنا عليه.. وفي ذلك بشارة أمل!
ولكن هل يمكن تغيير الحاضر وتشكيله كالصلصال ليشابه شيئا مضى عليه زمان طويل؟ أهو من المستطاع؟ وإن كان فبيد من؟ وهل ما كنا عليه سـابقا هو الأصلح لنا اليوم أو غدا؟.. كل ذلك أسئلة لا تزيد الأمر إلا تعقيدا. ومع ذلك.. سأحاول.. أحاول.. أن أجيب..

وحتى يقع نظرك لما أرمي إليه فيسهل عليك ترجمة قولي ، إليك بعضا من المشاهد البسيطة التي رأيتها في اسبوعين. وأقول بسيطة لأنها مشاهد ضحلة مقارنة بما سمعت وقيل لي ، ولكنهـا مع ذلك ستشعرك بأعراض الجرثوم الخبيث المنتشر:

1- المكان: مطار الخرطوم.

* هناك شاشات تلفزيونية حديثة ويظهر عليها الغلاء معلقة أمام كل (كاونتر) لتريك خط الطيران ورقم الرحلة وغيره. ولكن جميعا لا يعمل!

* هنالك شاشات أخرى لعرض الرحلات ومواعيد الإقلاع. أنظر في القائمة ، فلا أجد رحلتي بينهم.. أنظر بعناية أكثر فأجد أن الشاشة لا تزال تحوي رحلات الصباح رغم أن الساعة قد جاوزت السابعة مساءا!

* صف الجوازات مزدحم للغاية وقد تستغرق قرابة ساعة كاملة منتظرا. جميع الرحلات تأخرت لإنتظار الركاب. لماذا؟ لأن هناك ظابطين فقط لخدمة أكثر من 500 مسافر.

* شخص يتسلف قلما في صف الجوازات. يعيد القلم بعد طول انتظار دون كلمة شكر واحدة ، بل ودون أي إشارة بأنه مدين لك بشيء.

* أقف في صف الجوازات المزدحم. أجد حقيبة يد في منتصف الصف… الكل مرّ حول الحقيبة ولم يسأل أحد عن صاحبها. سألت الرجل الذي كان يسبقني فأجاب بالنفي ، فسألت بصوت عال.. الكل ينظر إلىّ باستغراب. الرجل المصري الذي يتبعني أثار الشك فضوله ، رغم أن سؤالي لم يكن إلا شفقة بصاحبها فيصعد للطائرة دونها ، أو يصل لبلد وصوله دون جوازه الأخضر المحترم أو أوراق إقامته. أشار المصري لضابط كان يجلس في كرسي على بعد أمتار. نظر الظابط من كرسيه محاولا ترجمة لغة الإشارة ، ولما لم يفلح عاد يلعب بهاتفه الجوال! عاود المصري الإستغاثة ، فجاء الظابط بضيق يسأل (في شنو؟) ، ولما شرح له الأمر رد قائلا (يعني شنو؟ أسي حيقوم صاحبها يتذكرها ويجي راجع!). ثم ابتسم وكأنه أُعجب برده الذكي على المصري ، فأضاف (أطمن.. إحنا هنا بلدنا آمنة!!!).

وللأمثلة بقية…

حطت الطائرة الإماراتية في مطار الخرطوم كما يحط الطير أرضا يعرفها... في ثقة وثبات وارتياح. كم كانت دهشتي وأنا أنظر للخرطوم أثناء الهبوط من على النافذة. قلت في نفسي: الخرطوم أصبحت مُنـارة! رغم سذاجة الملاحظة فقد كان منظرا يدعو للسرور ، فهي المرة الأولى التي ترى عيناي الخرطوم بهذا القدر من الإنارة!

حطت الطائرة الإماراتية في ثقة وثبات وارتياح. فتنهدت نفسي ، وأخذت نفسا عميقا ، ثم شكرت ربي.. الذي هون عليّ مشقة السفر ، فقطعت قرابة نصف الكرة الأرضية في عشرات الطيران صابرا ، ومبتسما.. مشتاقا لأصل في هذا اليوم المبارك... اليوم الذي وقف فيه حجاح بيته فوق جبل عرفات يشكرون ويحمدون. لعلها صدفة الأرقام أو قِسمة الأقدار التي أوصلتني للوطن في نفس اليوم الذي يصادف يوم مغادرتي له عام 2002. عندما زرته في زيارة خاطفة أشبه بالوداع ، وذلك قبل رحيلي للولايات المتحدة بأيام قليلة. يومها تألمت عيناي مشقة الوداع ، وصعدت على سلم الطائرة بثقل ، محمولا على هموم وأسئلة فكتبت وقلت:

ها قد ودعت الجميع الآن.. فردا فردا ، ورديت كل قبلة بمثلها ، وكل حضن دافئ بضعفه.. ودعتهم جميعا ولا أدر إن كنت سألتقي بهم مجددا.. وإن كنت سألتقي بهم فأين ومتى؟!.. لا أعلم.. وليس باستطاعتي حتى التكهن. ولكن ربي ورب كل ما في هذا الكون عليم ، عساه يرد غربتنا ويبعد كل أسباب ودواعي الفراق والوداع اليوم قبل غدا.. ألا هو السميع المجيب.

وأنا لا أزال في تلك اللحظة الحالمة بين الماضي والحاضر ، وفكري يتنقل بين النظر من النافذة ، إلى التفكير بمن سألتقي بهم ، إلى دندنة لأحدى أغنيات الكابلي ، سرعان ما انقطع حبل أفكاري وانتقلت لعالم آخر.. عالم يختلف كثيرا عن العالم الذي أرجوه وأتمناه. فهو أكثر جفاءا وواقعية! قالت المضيفة بلهجة حازمة : "الرجاء العودة إلى مقاعدكم.. الرجاء العودة إلى مقاعدكم حتى تتوقف الطائرة تماما ". نظرت حولي وجدت أن عشرات الركاب قد قاموا من مقاعدهم ، وفتحوا الخزانات العلوية ينزلون حقائبهم وأكياس ثقيلة كُتب عليها سوق دبي الحرة ، رغم أن الطائرة لا تزال في المدرج! لم أفهم سر "الشفقة".. الطبيعي أن يستمع الركاب لكلام المضيفة ويعودوا لمقاعدهم ، ولكن عكس ذلك تماما هو الذي حدث. فقد كان إعلان المضيفة ليس سوى تذكيرا للآخرين بأن عليهم كذلك إنزال حقائبهم بسرعة قبل الآخرين! وفي لمح البصر أصبح العشرة ركاب عشرين ثم ثلاثين وأربعين ، والطائرة لا تزال تمشي في المطار... كطير حلّ في بلاد لا يعرفها ولم يرها قط!

دخلت لصالة الوصول ، فأخرجت جوازي الأخضر لظابط الجوازات. ذلك الجواز الذي صار مع الأسف لا قيمة له إلا في وطنه. ولذلك عودت نفسي أن لا أخرجه إلا حيث وجد إحتراما. وكلما سنحت الفرصة لم أتردد في إخراجه بفخر رغم كل القلق الذي قد يلحق بي فيما بعد من الأخوة الأعداء في المغتربين ومكتب الخدمة الوطنية! حياني الظابط بأدب ثم سلمني الجواز وعليه خِتم الوصول. دخلت لعمق الصالة. وجدتها واسعة ، جميلة ، ومكيفة. كانت الصالة رغم إتساعها تبدو ضيقة. كانت أشبه ببيت صاحبه جاد به الكرم فدعى الحي كله للغذاء ، وكأنه لا يعلم أن ذلك فوق طاقته ، فلا طعاما يكفيهم ولا مكانا يسعهم. الصالة كذلك كانت.. في حالة من الفوضى من شدة الزحام. فلا عربات تكفي المسافرين ، ولا موظفين لتفتيشهم! الشاشات التلفزيونية التي يفترض أن تريك في أي حزام ستصل حقائبك لا تعمل ، وبالتالي ما كان لي إلا أن أتوقف في كل حزام واحد تلو الآخر لأسأل الركاب المنتظرين. سألت أحدهم فقال "دي طيارة جدة" ، ثم أتجهت للحزام التالي فأجاب بابتسامة التائه بخجل "ولاي أنا زاتي ما عارف دي ياتو طيارة" فأتجهت لآخر فقال "دي طيارة جدة". فسألت باستغراب "أنا قايل إنه السير داك بتاع جدة" ، فأجاب "لأ ديك تكون السودانية ، ده سير السعودية الجاية من جدة!". أخيرا لم أجد أضمن من نظرية الغنم في الحياة وهو السير في جماعة. وبالتالي رحت أبحث عن ركاب طائرتي ، فوجدتهم متجمعين حول أحد الأحزمة. أما كيف عرفوا أن ذلك هو الحزام الصحيح ومن أوحى لهم ، فذلك يظل في علم الغيب!

كانت ساعاتي الأولى في الوطن العزيز كافية لاستخلاص مشكلتين رئيسيتين في السودان وأهل السودان. أوصلني ذلك الإشتقاق إلى تفسير الكثير من المواقف والمشاهد فيما بعد. أما ما هي هاتين المشكلتين ، وكيف ولماذا ، فذلك هو محور حديثي القادم. ولأن السودان لا يمكن أن يخطو للأمام إن كان شخصه يجذبه للخلف أمتارا وهو لا يدر ، فسيكون تركيزي في الشخص السوداني ليكون محور الملاحظة والتحليل. فهو رغم كل شيء.. الأمل. وهل لنا غير الأمل؟


عدت من السودان. بل والحق يقال عاد الجسد ، وظل القلب والروح ينازعان ويصارعان الفراق. فراق الأهل وأرض الأهل. فعدت دونهما كي يظل الحنين والشوق ، وكي أجد نفسي عندما أعود.

رأيت ودققت وحاولت أن أتفكر وأتأمل رغم ضيق الزمان. فعدت بملاحظات وأعتقادات وآراء سأكتبها لكي لا أنسى ، فيخدعني قلبي ويجمّل لي الواقع كلما حاولت التذكر ، وليس في ذلك عيب ولكن ستضيع الحقيقة في زحمة الشوق والشجن. ولذلك سأكتبها كما رأيت للتأريخ ، ولنفسي كي أقارن وأتابع..

زرت باريس.. أخيراً. مدينة كل ما فيها جميل. شوارعهـا جميلة.. بيوتها جميلة.. فتياتها جميلات ومقاهيها جميلة جدا! أكثر ما أعجبني في باريس هو مقاهيها المنتشرة في كل الأزقة والشوارع ، وتلك الجلسة الجميلة المطلة على الجمال. ما أحلى أن تجلس في أحد تلك المقاهي وأنت تحتسي فنجان اسبيريسو جميل ، على شارع جميل ، يمر به نسيم جميل ، تقرأ كتابا جميلا أو تكتب شيئا علّه يكون جميلا. تذكرت في هذه المدينة صديقين عزيزين أعرف تماما أنهما سيغرقا في عشق هذه المدينة وهما إبراهيم مأمون وهمام شوقي وذلك لحبهما للقهوة والمقاهي ، ولتقديرهم للجمال.

باريس مدينة تحسسك بأن شهيتك للحياة قد تضاعفت. فيها انشراح مثير للروح ، وراحة نفسية فريدة. جئت لباريس بلا أجندة واضحة ، ولكني قرأت وسألت فعرفت أنـهـا عاصمة الجمال. وفي الجمال راحة.. ولهذا كان اختياري. راحة ولا مانع لبعض من الجمال!

أحسسني ذلك الأمريكي الذي جلس قربي في الطريق لباريس بأني بعيد عن النظام ، وأنني لم أخطط لرحلتي جيدا. فقد وجدت معه جدولا كاملا مفصلا عليه برنامجه ، فكان يعرف تماما أين ومتى سيكون في كل ساعة أثناء وجوده في باريس! أما أنا ، فقد قرأت كتابا وبناءا عليه خرجت بقائمة من الأماكن التي أود زيارتها. فلم أحدد أين ومتى سأكون.. أردت عن قصد أن لا ألزم نفسي بشيء.. لماذا؟ لأني في إجازة!

تعجب البعض كيف تذهب لباريس لوحدك. قلت في نفسي ذلك عنصر هام في الإجازة! أردت إجازة دون تقييد.. دون مجاملات ، ومواعيد ، والتزامات. إجازة هادئة.. أقوم فيها من النوم دون منبه ، فأستيقظ وأنام متى شئت. إجازة أحدد فيها أين وكيف سأقضي يومي قبل خروجي بدقائق.. عند تناولي للإفطار. ويمكنني أن أغير برنامجي حينما شئت.. حسب مزاجي ، دون الحاجة إلى تنسيقات ومكالمات ومشاورات. إجازة أأكل فيها متى شئت وأينما وددت.. إجازة لا أنظر فيها إلى الساعة ، فلست متأخرا أو مبكرا على شيء ما.. لأنه ليس لدي موعد محدد لأي شيء!

لا يا عزيزي ، لست أنانيا.. ولكني في إجازة! الإجارة ليست سفرة أو تغيير للمكان فقط. وإنما الإجازة تجديد للروح بكسر الروتين ، والخروج عن المألوف ، والتخلص من المفروض. فإن وُجد في سفرتك أي من هذه العناصر (الروتين – المألوف – المفروض) فأنت مع الأسف لست في إجازة... سمّها نزهة أو رحلة أو شيء من هذا.

كذلك الطفل الجميل الذي يبكي الآن قربي لأن والدته أجلسته في كرسيه المتحرك ثانية. تبدو ملامحه خليجية.. كذلك والديه. أراد المسكين أن يكمل جريه حول البحيرة في هذه الحديقة الجميلة. ذلك الطفل على سبيل المثال ليس في إجازة .. لو الخيار له فسيجري لساعة أو اثنين ثم سيجلس بنفسه في الكرسي دون أن يسأله أحد. وعندما أقعدته أمه في كرسيه ، مارس سخطه على الروتين والمألوف والمفروض بالبكاء.. وهو وسيلته الوحيدة في هذه السن. وسيتغير اسلوبه بمرور الزمن ، فسينتقل من بكاء إلى عناد إلى سخط وضجر إلى مجاملة مزيفة ، ثم أخيرا إلى صمت. وقد يبلغ مرحلة الصمت إما قبل الثلاثين بقليل أو بعد الثمانين بقليل!

ولكي نضع النقاط فوق الحروف ، فقد زرت عددا لا بأس به من المدن ، ولكن باريس بهرتني ، وأثبتت لي أنـهـا أجمل ما رأيت على الإطلاق. أحسست فيها بطمأنية ذهبية وسكينة دافئة.. كتلك التي تحسها عندما تكون مع المحبوب. فغادرتها وأنا مسرور جدا ، و موقن تماما بأني سأعود من جديد كلما وددت أن أحرر نفسي.. من الروتين والمألوف والمفروض!


ح.ع - باريس – 4 سبتمبر 2007








Subscribe to: Posts (Atom)