Harith's Space!

In "Harith's Space!" I share some personal feelings, memories, thoughts and observations. Help me to make this space positive by allowing me to learn from your feedback.


Showing posts with label Thoughts. Show all posts

هل نعيش وحدنا في هذا الكون الشاسع الطول والعرض؟ سؤال حيّر ولا يزال يحير الكثيرين ، ويشغل فضولي منذ زمن بعيد.. منذ أيام الصبى ومنظر الكائنات والمراكب الفضائية في الرسوم المتحركة. أما الحقيقة الأخرى فأنا من أولائك المعتقدين بوجود مخلوقات أخرى في هذا الكون. والسبب بسيط.. فالأرض لا تمثل إلا جزء صغير جدا من الكون.. كحجر صغير قرب جبل كبير. فكيف نقول بأن هذا الحجر الصغير هو الوحيد الحي؟!

لقد أرسل الانسان إلى يومنا هذا العديد من المركبات الفضائية ، ولم تعد أي منها بدليل ملموس ولذا يقول الكثير بأنه الأرض هي الجزء الحي الوحيد. وذلك لا يقنعني! ربما الخطأ هو في الفرضيات التي اعتمدنا عليها في بحوثنا. لعل هذه الكائنات لا تسكن سطح الأرض ، بل تعيش تحتها ، أو في المياه ولها خياشيم كالأسماك! أو ربما كانت من الصغر أن فشلت كل المناظير في التقاطها ، وعندما حلت المركبة ( باثفايندر ) على كوكب المريخ ، اعتقدوا أنها (جودزيلا) وأن نهاية الكون قد حلت لا محاله. لم لا يكون في تلك الكواكب كذلك رسل وأديان وأنبياء ويوم حساب وحلال وحرام؟ لم لا يكونون كذلك يتسائلون إن كانت هناك حياة في الكواكب الأخرى؟!

شاركني برأيك فأنا محتار!


يقولون أننا كنا وكنا ، وأن الشوارع كانت مرصوفة ومشجرة. أما عن سكك الحديد والخطوط الجوية والبحرية فتباهي وتفاخر. ويقولون أن السودان كان يحكمه نوابغ وعلامة.. فانظر أين نحن اليوم. لا تغريني ناطحات السحاب على ملتقى النينلين كثيرا ، ولا الطرق التي تحسنت ، ولا الاقتصاد الذي يزداد تحسنا. كل هذه أمور إيجابية لا جدال فيها ، ولكنها في رأيي مبنية على أساس هش. فمن المؤسف هو غياب الشخص السوداني من كل هذا التقدم ، بل وتدحرجه للدرجات الدنى. ولهذا كان في قول أحمد شوقي حكمة للأجيال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. نسأل من جديد.. ماذا حدث ومالسبب ، فأعود وأقول مجددا أن الخلل يكمن في التربية والتعليم!

فاليعذرني الآباء وليسامحنى الأجداد وكل من ساهم في صنع الاستقلال ، ولكني أعتقد بكل أمانة بأنا حصلنا على الاستقلال قبل بلوغ سن النضوج! كالثمرة التي قُطفت قبل يومها ، فمهما فعلت وأضفت من رتوش فإنها لن تخلو من الحموضة. لطالما أحببت التاريخ ، ووجدت فيه دروسا وعبرا مستفادة ، ولهذا سأرجع إليه كي يُفهم حديثي. فعندما حل الاستقلال كان السودان لا يزال عبارة عن قبائل متفرقة لا يجمها غير اللغة والتقاليد ، وبالتالي نمت أجيال بانتماء قبلي سميك. وعندما جاء جيل منهم للتعليم في المدن أتو بنفس العقلية والخلفية القبلية لا الوطنية. فتعلموا على يد نظام تعليمي انجليزي لا يعني له السـودان كدولة شيئا كثيرا. وعندما عمل هذا الجيل في المصالح الحكومية فقد نجحوا بسبب الإدارة الإنجليزية ، ففرضت الضبط والربط والرقابة ، وبالتالي نمى جيل ناجح من الإداريين ، ومع ذلك فلم يتغير الانتماء الشخصي كثيرا ، فلا زال قبيليا وفاقدا للحس القومي. ولكي تصدق حديثي فهل حدث أن رأيت جعليا أو شايقيا يشتم قبيلته؟! يستحيل! ولكن من الطبيعي جدا أن يشتم السودان وأهل السودان ، وكأن قريته أو قبيلته من بلد آخر. على نفس المنوال ، هل رأيت مشجعا هلاليا يشتم نادي الهلال؟! كذلك يستحيل! ولكن من الطبيعي جدا أن يشتم المنتخب الوطني أو يشجع الأهلي المصري عندما يلعب ضد المريخ السوداني!

المثل يقول "فاقد الشيء لا يعطيه". وهو كذلك الجيل الذي جاء قبل الاستقلال. فالسودان كبلد لم يعني لهم شيئا كقريته أو قبيلته. فلم يربو أولادهم على حب الوطن ، وبالتالي نمت أجيال فاقدة لخصلة مهمة جدا. ولذلك لا تزال تسمع اليوم عن مدير الشركة الفلانية في البلد الفلاني لا يعين إلا أبناء القبيلة الفلانية!

يقول الشيخ محمد بن راشد المكتوم في كتابه ( رؤيتي ) أن الإدارة هي السبب الأول في سوء الأنظمة العربية. أنا أتفق معه كليا ، ومع ذلك أعتقد كغيري أن جزء كبير من فن الإدارة لا يأتي بالفطرة بل يجتاج شيئا من التعليم. وهي الحلقة المفقودة في نظامنا التعليمي. نظامنا التعليمي لا ينظر إلى تطوير الشخصية ، وتقويمها وتسويتها ، بل ينخرط بالرياضيات ، والفيزياء والشعر والمعلقات ، ويكرم من يحفظ أكثر بلا فهم ، ومن يستمع أكثر بلا نقاش. والأسوأ من ذلك كله أنه يفتقد إلى جزء مهم من العملية التربوية وهما عنصري القيم والأخلاق. ما فائدة طبيب فذ بلا أخلاقيات؟ أو مدير بنك بلا قيم ولا أخلاق؟ إن أبناء السودان يفتقدون لأبجديات الذوق والأخلاق ، واحترام حقوق الغير ، والاعتراف بالخطأ وعدم المعرفة ، وتقبل الرأي الآخر ، وأساسيات الحوار ، والاخلاص في العمل والنظام.

لم أفهم افتخار الهنود بغاندي إلا بعدما بدأت بسماع بعض أقواله ، ومنهـا واحدة في غاية الحكمة وهي التي أعمل بها فتقول (قم بالتغيير الذي تريد أن تراه في العالم) ، بمعنى آخر إن أردت أن تغير شيئا فابدأ بنفسك! يقولون أن لكل حصان كبوة ، ويقولون كذلك أن كل أمة نهضت بعد نكسة والمثال على ذلك أوربا عامة ، وأمريكا ، واليابان. ولكن اليد الواحدة لا تفعل شيئا ، فيجب أن نعمل جميعا كي نخلق جيلا جديدا ذو حس قومي.

أخي العزيز.. إبدأ بنفسك ، ولا تنتقد دون أن تصلح نفسك ومن حولك. وأنت أيها الأب الكريم ، أبنائك أمانة في عنقك وسوف تُسأل عن تربيتهما فاحسنها. وإلا فلن نصلح أبدا ، بل وسنلقي بأنفسنا في متاهة لا حول لها ولا قوة ، وإلا فخوفي كله أن تصدق فينا الحكمة القائلة:

«الشعب الذي يضع امتيازاته فوق مبادئه ، سرعان ما يخسر الأمرين»

والعذر لكن من يخالفني الرأي.. أم نسيت أنها محاولة لتحليل المفهوم وفهم اللامفهوم؟!

2- المكان: سوبرماركت حديث في حي الطائف.

السوبرماركت بكل ما فيه بشكله وديكوره كأنك في أبوظبي... حتى وصلت لمكان الدفع. وجدت أن الكل يعيد قفص الشراء بطريقة أقرب إلى الرمي ، فتتراكم الأقفاص فوق بعضهـا البعض بطريقة آيلة للسقوط في أية لحظة. أنزلت بعضها لأرتبها.. الكل ينظر إلى باستغراب وتعجب شديد.

3- أفتح الجريدة الرياضية فأجد أن الكل يتحدث عن آخر أخبار وتسجيلات ناديي الهلال والمريخ ، ولا حديث عن المنتخب الوطني الذي كان على مشارف المشاركة في كأس الأمم الأفريقية لأول مرة بعد أكثر من ثلاثين سنة!

4- حركة المرور في حالة لا تسر لا عدو ولا حبيب. الجميع مستعجل ، ولا يستطيع الانتظار ليعطي الفرصة للغير. الإشارات لا تعني شيئا للكثير سوى شكل من أشكال التحضر.

من هذه المشاهد البسيطة يمكنك الوصول لنفس المفردات المؤسفة التي توصلت لها وهي:

1- وطنية نائمة.

2- نظام منعدم.

3- أنانية مفرطة.

4- استهتار ذريع.

5- فشل إداري.

6- عدم ذوق فريد.

رغم تعدد المشاكل وتنوعها واختلاف الناس والمكان والزمان من مشهد لآخر فإن الأصل في المشكلة يرجع إلى أمرين. وإن حاولت التوصل لجدر أو مصدر المشكلة فستصل إلى نفس الكلمتين التي توصلت لهما: تربية وتعليم.

ولابد أن يكون للحديث بقية...

الكل يسـأل ماذا حدث؟ وأين كنا ، وكيف صرنا؟ أحاديث وأسئلة كثيرة تبحث عن إجابة مقنعة. والحق يقال فإن سؤال الناس وتعجبهم له دلالتين... الأولى سـلبية والثانية عكس ذلك. الأولى تقول بأنه وصلنا حال من التدهور فأصبح هلال رمضان جليا ولا خلاف عليه. أما الدلالة الثانية فهي تشير إلى عدم رضى في داخل كل متسائل ، ورغبة لتغيير الحاضر والعودة لما كنا عليه.. وفي ذلك بشارة أمل!
ولكن هل يمكن تغيير الحاضر وتشكيله كالصلصال ليشابه شيئا مضى عليه زمان طويل؟ أهو من المستطاع؟ وإن كان فبيد من؟ وهل ما كنا عليه سـابقا هو الأصلح لنا اليوم أو غدا؟.. كل ذلك أسئلة لا تزيد الأمر إلا تعقيدا. ومع ذلك.. سأحاول.. أحاول.. أن أجيب..

وحتى يقع نظرك لما أرمي إليه فيسهل عليك ترجمة قولي ، إليك بعضا من المشاهد البسيطة التي رأيتها في اسبوعين. وأقول بسيطة لأنها مشاهد ضحلة مقارنة بما سمعت وقيل لي ، ولكنهـا مع ذلك ستشعرك بأعراض الجرثوم الخبيث المنتشر:

1- المكان: مطار الخرطوم.

* هناك شاشات تلفزيونية حديثة ويظهر عليها الغلاء معلقة أمام كل (كاونتر) لتريك خط الطيران ورقم الرحلة وغيره. ولكن جميعا لا يعمل!

* هنالك شاشات أخرى لعرض الرحلات ومواعيد الإقلاع. أنظر في القائمة ، فلا أجد رحلتي بينهم.. أنظر بعناية أكثر فأجد أن الشاشة لا تزال تحوي رحلات الصباح رغم أن الساعة قد جاوزت السابعة مساءا!

* صف الجوازات مزدحم للغاية وقد تستغرق قرابة ساعة كاملة منتظرا. جميع الرحلات تأخرت لإنتظار الركاب. لماذا؟ لأن هناك ظابطين فقط لخدمة أكثر من 500 مسافر.

* شخص يتسلف قلما في صف الجوازات. يعيد القلم بعد طول انتظار دون كلمة شكر واحدة ، بل ودون أي إشارة بأنه مدين لك بشيء.

* أقف في صف الجوازات المزدحم. أجد حقيبة يد في منتصف الصف… الكل مرّ حول الحقيبة ولم يسأل أحد عن صاحبها. سألت الرجل الذي كان يسبقني فأجاب بالنفي ، فسألت بصوت عال.. الكل ينظر إلىّ باستغراب. الرجل المصري الذي يتبعني أثار الشك فضوله ، رغم أن سؤالي لم يكن إلا شفقة بصاحبها فيصعد للطائرة دونها ، أو يصل لبلد وصوله دون جوازه الأخضر المحترم أو أوراق إقامته. أشار المصري لضابط كان يجلس في كرسي على بعد أمتار. نظر الظابط من كرسيه محاولا ترجمة لغة الإشارة ، ولما لم يفلح عاد يلعب بهاتفه الجوال! عاود المصري الإستغاثة ، فجاء الظابط بضيق يسأل (في شنو؟) ، ولما شرح له الأمر رد قائلا (يعني شنو؟ أسي حيقوم صاحبها يتذكرها ويجي راجع!). ثم ابتسم وكأنه أُعجب برده الذكي على المصري ، فأضاف (أطمن.. إحنا هنا بلدنا آمنة!!!).

وللأمثلة بقية…

حطت الطائرة الإماراتية في مطار الخرطوم كما يحط الطير أرضا يعرفها... في ثقة وثبات وارتياح. كم كانت دهشتي وأنا أنظر للخرطوم أثناء الهبوط من على النافذة. قلت في نفسي: الخرطوم أصبحت مُنـارة! رغم سذاجة الملاحظة فقد كان منظرا يدعو للسرور ، فهي المرة الأولى التي ترى عيناي الخرطوم بهذا القدر من الإنارة!

حطت الطائرة الإماراتية في ثقة وثبات وارتياح. فتنهدت نفسي ، وأخذت نفسا عميقا ، ثم شكرت ربي.. الذي هون عليّ مشقة السفر ، فقطعت قرابة نصف الكرة الأرضية في عشرات الطيران صابرا ، ومبتسما.. مشتاقا لأصل في هذا اليوم المبارك... اليوم الذي وقف فيه حجاح بيته فوق جبل عرفات يشكرون ويحمدون. لعلها صدفة الأرقام أو قِسمة الأقدار التي أوصلتني للوطن في نفس اليوم الذي يصادف يوم مغادرتي له عام 2002. عندما زرته في زيارة خاطفة أشبه بالوداع ، وذلك قبل رحيلي للولايات المتحدة بأيام قليلة. يومها تألمت عيناي مشقة الوداع ، وصعدت على سلم الطائرة بثقل ، محمولا على هموم وأسئلة فكتبت وقلت:

ها قد ودعت الجميع الآن.. فردا فردا ، ورديت كل قبلة بمثلها ، وكل حضن دافئ بضعفه.. ودعتهم جميعا ولا أدر إن كنت سألتقي بهم مجددا.. وإن كنت سألتقي بهم فأين ومتى؟!.. لا أعلم.. وليس باستطاعتي حتى التكهن. ولكن ربي ورب كل ما في هذا الكون عليم ، عساه يرد غربتنا ويبعد كل أسباب ودواعي الفراق والوداع اليوم قبل غدا.. ألا هو السميع المجيب.

وأنا لا أزال في تلك اللحظة الحالمة بين الماضي والحاضر ، وفكري يتنقل بين النظر من النافذة ، إلى التفكير بمن سألتقي بهم ، إلى دندنة لأحدى أغنيات الكابلي ، سرعان ما انقطع حبل أفكاري وانتقلت لعالم آخر.. عالم يختلف كثيرا عن العالم الذي أرجوه وأتمناه. فهو أكثر جفاءا وواقعية! قالت المضيفة بلهجة حازمة : "الرجاء العودة إلى مقاعدكم.. الرجاء العودة إلى مقاعدكم حتى تتوقف الطائرة تماما ". نظرت حولي وجدت أن عشرات الركاب قد قاموا من مقاعدهم ، وفتحوا الخزانات العلوية ينزلون حقائبهم وأكياس ثقيلة كُتب عليها سوق دبي الحرة ، رغم أن الطائرة لا تزال في المدرج! لم أفهم سر "الشفقة".. الطبيعي أن يستمع الركاب لكلام المضيفة ويعودوا لمقاعدهم ، ولكن عكس ذلك تماما هو الذي حدث. فقد كان إعلان المضيفة ليس سوى تذكيرا للآخرين بأن عليهم كذلك إنزال حقائبهم بسرعة قبل الآخرين! وفي لمح البصر أصبح العشرة ركاب عشرين ثم ثلاثين وأربعين ، والطائرة لا تزال تمشي في المطار... كطير حلّ في بلاد لا يعرفها ولم يرها قط!

دخلت لصالة الوصول ، فأخرجت جوازي الأخضر لظابط الجوازات. ذلك الجواز الذي صار مع الأسف لا قيمة له إلا في وطنه. ولذلك عودت نفسي أن لا أخرجه إلا حيث وجد إحتراما. وكلما سنحت الفرصة لم أتردد في إخراجه بفخر رغم كل القلق الذي قد يلحق بي فيما بعد من الأخوة الأعداء في المغتربين ومكتب الخدمة الوطنية! حياني الظابط بأدب ثم سلمني الجواز وعليه خِتم الوصول. دخلت لعمق الصالة. وجدتها واسعة ، جميلة ، ومكيفة. كانت الصالة رغم إتساعها تبدو ضيقة. كانت أشبه ببيت صاحبه جاد به الكرم فدعى الحي كله للغذاء ، وكأنه لا يعلم أن ذلك فوق طاقته ، فلا طعاما يكفيهم ولا مكانا يسعهم. الصالة كذلك كانت.. في حالة من الفوضى من شدة الزحام. فلا عربات تكفي المسافرين ، ولا موظفين لتفتيشهم! الشاشات التلفزيونية التي يفترض أن تريك في أي حزام ستصل حقائبك لا تعمل ، وبالتالي ما كان لي إلا أن أتوقف في كل حزام واحد تلو الآخر لأسأل الركاب المنتظرين. سألت أحدهم فقال "دي طيارة جدة" ، ثم أتجهت للحزام التالي فأجاب بابتسامة التائه بخجل "ولاي أنا زاتي ما عارف دي ياتو طيارة" فأتجهت لآخر فقال "دي طيارة جدة". فسألت باستغراب "أنا قايل إنه السير داك بتاع جدة" ، فأجاب "لأ ديك تكون السودانية ، ده سير السعودية الجاية من جدة!". أخيرا لم أجد أضمن من نظرية الغنم في الحياة وهو السير في جماعة. وبالتالي رحت أبحث عن ركاب طائرتي ، فوجدتهم متجمعين حول أحد الأحزمة. أما كيف عرفوا أن ذلك هو الحزام الصحيح ومن أوحى لهم ، فذلك يظل في علم الغيب!

كانت ساعاتي الأولى في الوطن العزيز كافية لاستخلاص مشكلتين رئيسيتين في السودان وأهل السودان. أوصلني ذلك الإشتقاق إلى تفسير الكثير من المواقف والمشاهد فيما بعد. أما ما هي هاتين المشكلتين ، وكيف ولماذا ، فذلك هو محور حديثي القادم. ولأن السودان لا يمكن أن يخطو للأمام إن كان شخصه يجذبه للخلف أمتارا وهو لا يدر ، فسيكون تركيزي في الشخص السوداني ليكون محور الملاحظة والتحليل. فهو رغم كل شيء.. الأمل. وهل لنا غير الأمل؟


عدت من السودان. بل والحق يقال عاد الجسد ، وظل القلب والروح ينازعان ويصارعان الفراق. فراق الأهل وأرض الأهل. فعدت دونهما كي يظل الحنين والشوق ، وكي أجد نفسي عندما أعود.

رأيت ودققت وحاولت أن أتفكر وأتأمل رغم ضيق الزمان. فعدت بملاحظات وأعتقادات وآراء سأكتبها لكي لا أنسى ، فيخدعني قلبي ويجمّل لي الواقع كلما حاولت التذكر ، وليس في ذلك عيب ولكن ستضيع الحقيقة في زحمة الشوق والشجن. ولذلك سأكتبها كما رأيت للتأريخ ، ولنفسي كي أقارن وأتابع..

زرت باريس.. أخيراً. مدينة كل ما فيها جميل. شوارعهـا جميلة.. بيوتها جميلة.. فتياتها جميلات ومقاهيها جميلة جدا! أكثر ما أعجبني في باريس هو مقاهيها المنتشرة في كل الأزقة والشوارع ، وتلك الجلسة الجميلة المطلة على الجمال. ما أحلى أن تجلس في أحد تلك المقاهي وأنت تحتسي فنجان اسبيريسو جميل ، على شارع جميل ، يمر به نسيم جميل ، تقرأ كتابا جميلا أو تكتب شيئا علّه يكون جميلا. تذكرت في هذه المدينة صديقين عزيزين أعرف تماما أنهما سيغرقا في عشق هذه المدينة وهما إبراهيم مأمون وهمام شوقي وذلك لحبهما للقهوة والمقاهي ، ولتقديرهم للجمال.

باريس مدينة تحسسك بأن شهيتك للحياة قد تضاعفت. فيها انشراح مثير للروح ، وراحة نفسية فريدة. جئت لباريس بلا أجندة واضحة ، ولكني قرأت وسألت فعرفت أنـهـا عاصمة الجمال. وفي الجمال راحة.. ولهذا كان اختياري. راحة ولا مانع لبعض من الجمال!

أحسسني ذلك الأمريكي الذي جلس قربي في الطريق لباريس بأني بعيد عن النظام ، وأنني لم أخطط لرحلتي جيدا. فقد وجدت معه جدولا كاملا مفصلا عليه برنامجه ، فكان يعرف تماما أين ومتى سيكون في كل ساعة أثناء وجوده في باريس! أما أنا ، فقد قرأت كتابا وبناءا عليه خرجت بقائمة من الأماكن التي أود زيارتها. فلم أحدد أين ومتى سأكون.. أردت عن قصد أن لا ألزم نفسي بشيء.. لماذا؟ لأني في إجازة!

تعجب البعض كيف تذهب لباريس لوحدك. قلت في نفسي ذلك عنصر هام في الإجازة! أردت إجازة دون تقييد.. دون مجاملات ، ومواعيد ، والتزامات. إجازة هادئة.. أقوم فيها من النوم دون منبه ، فأستيقظ وأنام متى شئت. إجازة أحدد فيها أين وكيف سأقضي يومي قبل خروجي بدقائق.. عند تناولي للإفطار. ويمكنني أن أغير برنامجي حينما شئت.. حسب مزاجي ، دون الحاجة إلى تنسيقات ومكالمات ومشاورات. إجازة أأكل فيها متى شئت وأينما وددت.. إجازة لا أنظر فيها إلى الساعة ، فلست متأخرا أو مبكرا على شيء ما.. لأنه ليس لدي موعد محدد لأي شيء!

لا يا عزيزي ، لست أنانيا.. ولكني في إجازة! الإجارة ليست سفرة أو تغيير للمكان فقط. وإنما الإجازة تجديد للروح بكسر الروتين ، والخروج عن المألوف ، والتخلص من المفروض. فإن وُجد في سفرتك أي من هذه العناصر (الروتين – المألوف – المفروض) فأنت مع الأسف لست في إجازة... سمّها نزهة أو رحلة أو شيء من هذا.

كذلك الطفل الجميل الذي يبكي الآن قربي لأن والدته أجلسته في كرسيه المتحرك ثانية. تبدو ملامحه خليجية.. كذلك والديه. أراد المسكين أن يكمل جريه حول البحيرة في هذه الحديقة الجميلة. ذلك الطفل على سبيل المثال ليس في إجازة .. لو الخيار له فسيجري لساعة أو اثنين ثم سيجلس بنفسه في الكرسي دون أن يسأله أحد. وعندما أقعدته أمه في كرسيه ، مارس سخطه على الروتين والمألوف والمفروض بالبكاء.. وهو وسيلته الوحيدة في هذه السن. وسيتغير اسلوبه بمرور الزمن ، فسينتقل من بكاء إلى عناد إلى سخط وضجر إلى مجاملة مزيفة ، ثم أخيرا إلى صمت. وقد يبلغ مرحلة الصمت إما قبل الثلاثين بقليل أو بعد الثمانين بقليل!

ولكي نضع النقاط فوق الحروف ، فقد زرت عددا لا بأس به من المدن ، ولكن باريس بهرتني ، وأثبتت لي أنـهـا أجمل ما رأيت على الإطلاق. أحسست فيها بطمأنية ذهبية وسكينة دافئة.. كتلك التي تحسها عندما تكون مع المحبوب. فغادرتها وأنا مسرور جدا ، و موقن تماما بأني سأعود من جديد كلما وددت أن أحرر نفسي.. من الروتين والمألوف والمفروض!


ح.ع - باريس – 4 سبتمبر 2007

من الصعب أن تستخلص تجربة فور انتهائها. وحتى إن حاولت ققد لا يكون استخلاصا صحيحا ولا شاملا ذا عبر ودروس مستفادة. فقد لا تفهم حدثا أو موقفا إلا بعد سنين ، أو لا تفهم قولا إلا بعد سماعه من جديد. وزيارة أي بلد جديد إنما هي تجربة كغيرها من تجارب في حياة لا شيء فيها سوى التجارب. وتخليص هذا النوع من التجارب إنما هو من التحليل.. وفي العلوم والهندسة التحليل هو من أهم وأخطر المراحل في أية تجربة ، فقد توصلك لنتائج قد تتحول بمرور الزمن إلى حقائق وقناعات. ومما يزيد هذا النوع من التحليل صعوبة أنه لا يستند إلى أي أرقام وبيانات ، وإنما هي نتاج ملاحظات ، ومطالعات ، ومشاهدات ، وأحاديث. ولأن العقل يعمل بصورة مقارنة لما هو مخزون فيه كي يحلل ، فإن خلاصتي عن الهنـد اليوم إنما هي نتيجة لهذه العوامل مجتمعة مقرونة برؤيتي ، ولذا فقد يختلف معي جمع ويتفق معي جمع آخر.

***

أحببت الهند كما أحببت أهلها. فهم شعب عريق ذا تاريخ وجذور.. فخور معتز بكل شبر من بلده.. سعيد لرؤية الأجنبي فيكرمه ويحب أن يريه أجمل مافي بلده.

يمكنني أن أصنف الهند سكانا لثلاثة طبقات. الأولى فاحشة الغناء فلا تتعامل إلا بلغة ملايين الدولارات ، والثانية ضالعة في فقر رهيب فلا تعرف إلا قوت يومها ، وتخطئ إن أحصت نقودا أكثر من مائة روبية. أما الطبقة الأخيرة فهي لا فقيرة ولا غنية ، فهي بينهما ولكن تكاد لا تراها.

سؤال ظل يراودني.. كيف مع كل النعشة الاقتصادية التي تعيشها الهند فلازال الفقر يعاني منه نصف سكانه البالغ بليون نسمة. عرفت أن الغني يزداد ثروة فأصبح يستثمر ماله في نيويورك ودبي. والفقير فلازال على قوت يومه يصحو ويغفو. أما الطبقة الوسطى فأصبحت تبين أكثر. فمع تسابق الشركات الأجنبية على الهند توفرت ملايين فرص العمل بمالغ زهيدة للمستثمر الأجنبي.. أما للهندي فهي مبالغ جيدة جدا. سألت فقيل لي أن متوسـط دخل الهندي في ارتفاع سنوي قدره 15%. وهو رقم كبير.

رغم فارق الزمن الكبير بين الهند وأمريكا الشمالية وأوربا ، ورغم مجازفات الشركات بنقل أعمالها إلى دولة من دول العالم الثالث من أجل عمالة رخيصة فهي لا تزال تتجه صوب الهند. قد سمعنا عن دولا كالصين والبرازيل قد أصبحتا متقدمان جدا في مجال تقنية المعلومات ، ودولا أخرى في أوربا الشرقية ومع ذلك لا تزال الهند الخيار الأول. فما الذي جعل الهند تتغلب عليهم بهذا الفارق الشاسع؟ السر يكمن في كلمة واحدة.. اللـغـة! هل تعلم أن اللغة الانجليزية هي المشتركة بين كل خريجي الجامعات الهندية؟ التعليم في الهند متقدم جدا وهو سبب رئيس آخر لوفرة العمالة الجاهزة. كل الكتب الصادرة من مطابع أمريكية وأوربية تعاد طباعتها في الهند بمالغ زهيدة فتكون متوفرة في أيدي الجميع.

***

لإنجاز أي تقدم اقتصادي لابد من استقرار سـياسي. فالاقتصاد هو العامل الذي يبني ، والسياسة هي الحارس الذي يحمي. والهند مستقرة سياسيا رغم التعداد السكاني الرهيب ، والخليط العرقي والديني. فهي مع ذلك كله تعرف بأكبر ديمقراطية في العالم. فلماذا فشل السودان - وهو سبب حديثي ومثال مقارتني – ونجحت الهند؟ أهم أكثر ذكاءا؟ ليس من الضروري!

يحكى أن وفدا سودانيا رفيع المستوى زار اليابان في أوائل الستينات لتبادل الخبرات والاستفادة من التجربة اليابانية. فقال الوزير السوداني مازحا لوزير ياباني آخر:

- أستعجب كيف وصلتم لكل هذا رغم ذكاءكم المحدود!

فرد الياباني:

- وأنا أستعجب حالكم وأنتم بكل هذا الذكاء!

وقد كان ذاك الحديث في الستينات!

لعل الهنود أكثر حكمة.. أو لعله ذلك الجين.. جين المنافسة الذي يجري في عروقهم. فقد تمرسوا في المنافسة فيما بينهم حتى وجدا نفسهم يفوقون دول الجوار! أو قد يكون ذلك النهج الحكيم الذي تركه غاندي ، فجعل لحكوماتهم بعد نظر سياسي مميز.

الحكومات الهندية منذ الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي نهجت نهجا قد يكون قريبا إلى سويسرا. فهم لا يغضبون لا أمريكا ، ولا إيران ، ولا روسيا ، ولا حتى اسرائيل! وفي نفس الوقت لا يتراشقون مع هذه الدول فتصبح معوناتها عبئا سياسيا ثقيلا فتسّير أمرا رغم إرادتهم. كل ذلك بحكمة وهدوء ، دون قرارات سياسية متهورة عشواء. الهنود ربما عرفوا أكثر من أي مستعمرة أخرى كيف يستثمروا الاستعمار الانجليزي. فتعلموا الديمقراطية والهدوء في اتخاذ القرار السياسي ، وعرفوا كيف أن التعليم هو سر تقدم الأمم وتأخرها ، وعرفوا أن لا صناعة متقدمة دون بنية تحتية متطورة وشبكة مواصلات متقدمة.

لا أخفي سرا أن أمورا أخرى لم تلق إعجابي كعدم النظام وعدم احترام الصف والمرور والمواعيد. ولكن إن جئت للحقيقة فهذه أمور تعاني منها دول العالم الثالث كلها ، وليست الهند لوحدها ، ولذا فلن أعطيها وزنا كبيرا في التحليل. لأني تعودت -أو أحب أن أعوّد نفسي- أن لا أبخس الناس حقها وأن لا أدقق النظر في النقاط السوداء الصغيرة!

مرة أخرى أقولها.. أحببت الهند تماما كما قالت لي تلك العجوز الأمريكية:

- سترى في الهند أشياءا ستحبها وستتمنى أن تعود لرؤيتها من جديد!

3 يوليو 2007

سان فرانسسكو

Question: Do you ever watch the airplane safety instructions video? Or do you even bother to watch to the flight attendant when she explain the same instructions and show you how to fasten your seat belt?!

I definitely not!


Though I started to rethink about it and say to myself *maybe* this is not right. What if anything emergent happened? I questioned my behavior after I watched a funny episode of my favorite sitcom (Seinfeld) called the Dog. When (Jerry) bad luck put him in a plane that had to do emergency landing, he asked the flight attendant in fear “Are you going to repeat the safety procedure again?”!! LOL. I bet you the majority of passengers (including myself) will ask the same question if they were in his situation.

I laughed when a United Airlines flight attendant once said before going over the procedure “Please give us part of your partial attention!” But, I still couldn’t look for more than 10 seconds. Do you know why? Not only because the safety procedure is boring, and not because I felt careless since I am not aware of any case in commercial airplanes history when passengers were able to survive by following the safety procedure, but mainly because the flight attendant wasn’t that cute!!

كان صباحا صحوا.. ظل مريح ، وجو ليس ببارد ولا ساخن .. وشمس منعشة تغازلك فتظهر تارة وتختفي تارى أخرى كي لا تصبح ضيفا ثقيلا.. هكذا كان الجو في سان فرانسسكو ذلك اليوم. جلست في ذلك المقهى كعادتي مستمتعا بكوب قهوة ، أتصفح موقعي المفضل امدر دوت كوم ، وعلى أذني يشدو المبدع عبدالكريم الكابلي رائعته (تاني الريده).. أي باختصار جلسة ولا بألف جلسة!

جلسن على الطاولة المقابلة لي أربعة فتيات كل واحدة أجمل من الأخرى حتى أنني احترت في لحظة أيهما الأجمل! ولكني استقريت أخيرا أن صاحبة الشعر الأسود اللامع والقميص الزهري الفاقع هي أجملهن! جلسن يتحدثن ويضحكن في أمر لم يهمني معرفته وأنا أرى كل ذلك الجمال الصارخ.. فكرت في لحظة أن أزيح صوت الكابلي لأسمع فيم يتحدثون ، فوجدت الخيار صعبا خاصة عندما وجدته يغرد ويقول (مواكب الريده القدام يا غالي شهوني المنام) وما أجمل ذلك المقطع.. فعرفت حينها أن الكابلي قد غلب بفارق كبير في الأهداف! لذا فقررت النظر بخلسة من حين لآخر ووجدت أن مراقبة الوجوه وحركات الفم لها دلالات أكبر عندما لا تسمع. وأثناء مراقبتي لاحظت أمرا عجيبا للغاية ، لقد لاحظت أنه عندما تتكلم أحداهن فيستمع إليها الأخريات فهن لا ينظرن إلى مكان واحد محدد كالفم أو العين ، بل تحوم أعينهن بسرعة وببداهة عجيبة في كل مكان في وجه الفتاة! حاول تكرار التجربة بنفسك وراقب عيني الفتاة عن بعد!

أمر عجيب حقا ، تجد أن عيني الفتاة قد حامت حول وجه الفتاة أشبه بدوران المكوك الفضائي ديسكوفري بسرعة تفوق سرعة الضوء. وبلا شك كان لابد أن تفكر مع كل رؤية! فطرق بداخلي سؤال (هل تسمع الفتاة كل ما يقال؟) أشك! لأنه لا يمكنك أن تقوم بأمرين مختلفين تماما في نفس الوقت. لذا فإنه على الأغلب أن الفتاة تسمع ستة أو سبعة كلمات من عشرة.

ألم تستنتج بعد علاقة كل هذا بموضوع قوة ملاحظة الفتاة؟ لقد وجدتها واضحة وضوح الشمس بعد تلك الحادثة.. لا أدع الذكاء لأني أعرف الحقيقة المحزنة ولكني كنت في جو استجمامي مشجع للتفكير فاستطعت حل العقدة! الأمر يا عزيزي أن للفتاة غريزة فطرية - وقد تكون داءا والله أعلم- اسمها (المقارنة) ، وهذه الغريزة هي التي تجعل الفتاة تنظر بعين مقارنة لصديقاتها في الملبس والمظهر. ولكي تقارن فلا بد أن تجمع كمية كافية من البيانات ، ولكي تكون بياناتك مفيدة وذات معنى ومدلول فلا بد أن تجمعها بدقة ، ولا بأس من إعادة جمعها مرات ومرات! ولأن المقارنة لدى الفتاة غريزة فهي تمتد لحدود وأبعاد الملاحظات البسيطة الأخرى! لذا فإن قوة الملاحظة في رأيي سمة من سمات المقارنة.

على العموم قد يكون لحديثي بقية وقد لا يكون ولكنه قيد الدراسة والملاحظة حتى اشعار آخر! ولك كل الحب با بنت حواء!

ح.ع

طالما قيل لنا أن للفتاة قوة ملاحظة تفوق الرجل بكثير.. وطالما حدثت لي مواقف جائت لتؤكد هذه الحقيقة. لم أجتهد يوما لكي أجد تفسيرا لهذا القول واعتبرته كغيره من المسلمات.. تماما كشروق الشمس من الشرق وغروبها من الغرب! ولكني اليوم وبعد ستة وعشرين سنه إلا ثلاثة أشهر سعيد لأعلن أنني عرفت السبب فغاب العجب! والفضل كله يعود إلى مجموعة الفتيات الجميلات اللائي جلسن أمامي في مقهى بمدينة سان فرانسسكو!

وبالطبع لابد للحديث من بقية!

ح.ع

في حلقة الاسبوع الفائت من برنامج (اندريسون كُوبر) كان له هذه المرة لقاء مع النجمة السينمائية انجلينا جولي. وهو أول لقاء لها بعد عودتها من ناميبا بعد وضعها لطفلتها الأولى. والمعروف بأن انجلينا هي سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة ، وهي أم لطفلين يتيمين بالتبني. الأول من كوبا أما الثاني فهي طفلة من أثيوبيا اسمها زهرة.

وخلال عملها كسفيرة فقد زارت عدد من مناطق المجاعات والنازحين في أفريقيا. فزارت سيراليون ، دارفور ، أثيوبينا ، ورواندا. احترمتها جدا بعدما علمت من اللقاء بأنهـا قد خصصت ثلث من دخلها السنوي للمجاعى والنازحين حول العالم. قد يقول مغالط للحقيقة بأنها تحصي الملايين ، وثلث من دخلها لا يعني شيئا. ردي المهذب سيكون وإن كان ذلك الثلث لا يعني شيئا فهو يعني الكثير الكثير لهؤلاء المسـاكين... أولم تسبق غيرها من الأثرياء العرب والمسلمين وهم أكثر مالا وذهبا؟!

حكت أنجلينا خلال اللقاء كيف أن زيارتها الأولى لسيراليون هي بمثابة نقطة تحول في حياتها. وكيف أن تلك الزيارة قد عمقت فهمها للحياة ومآسي العالم الآخر. وبالطبع لم يخلو الحديث من مشاهد وصور تثير القلب قبل الدمع. وكما يقول الأستاذ الطيب صالح "الشيء بالشيء يذكر" فالمذيع نفسه (اندرسون كُـوبر) من المذيعين الذين رأو تلك الأماكن الحزينة من العالم فقد زار الصومال ورواندا والنيجر، وكأنه قد سمع بمقولة الطيب صالح فعقب على قصص انجيلينا بقصة طفل من النيجر. ذلك الطفل المسكين مات أمامه بعد أن رأى وعاش أهوال الحرب. لم يرى ذلك الطفل سوى ست سنوات كلها صراخ وبكاء وجعير. دفن المسكين في مقبرة جماعية مع أطفال كثر من سنه.. دفن في حفرة من تراب فلا اسم قرب قبره يسميه ولا حَجَر يميزه.

لماذا احكي كل هذا؟ حقيقة لا أدر ولكن تلك الحلقة أثارت في ذهني افكارا كثيرة جعلتني أقول لو ولو ولو. وكم أكره تلك الكلمة.. حرفين ولكن وقعهما كبير.. أحسست بالتقصير ، بل وأحسست لأول مرة بأن التبرع المادي لا يسمن ولا يغن من جوع.

المأساة يا أخوتي أكبر.. ما مصير من يتمته الحرب؟ وما مصير من أعاقته الحرب فقطعت أطرافه؟ وما مصير تلك الجميلة التي أُحرق وجهها فغطت القروح كل ذلك الجمال؟ وما مصير من أدخلت الحرب في نفسه عقدا وحواجز ليس بمقدور إلا رب العالمين حلها ؟ فكرت وقلت حتى لو عاد هؤلاء النازحون لديارهم فقد بلغ ظُلمهم أن فاتهم الكثير وخسروا أشياءا لا تعوض إلا أن تكتب لهم حياة أخرى. تذكرت الأطفال وودت لو أن بيدي أن أذهب لأحد تلك المعسكرات لأعلمهم القراءة والكتابة.. هم المستقبل والأمل معقود عليهم وهم - ولا أحد غيرهم – من سيقدر على رسم المستقبل وتصحيح أخطاء وبطش آبائهم الحكام.

وكان الله في العون..

ح.ع


إنها القرير! تلك المنطقة المفعمة بالخضره والمكسوة بالغطاء الصحراوي الواقعه في شمال السودان. زرت القرير بعد اربعة سنوات اصارع فيها وحوش الغربه. لم اجدها كما تركتها.. لم تعد تلك القريه الهادئه التي يستيقظ اناسها مع أذان الفجر ويغمضون بعد صلاة العشاء. وجدت القرير وقد عمتها الكهرباء ، وغزتها شركتي سوداتل وموبيتل بأجهزتها وخدمات الانترنت مدينة جديده! وجدت بيوتا اصحابها يتابعون عن كثب أخبار الجزيره ويسمعون نانسي عجرم على القنوات الفضائية . وجدت عمي الأديب علي الرفاعي يقضي يومه متصفحا الانترنت ومشاركا في نقاشات ساخنة في منتديات أدبية عده! اختفت رمال الصحراء في الطرق وقد ربتدها حركت السيارات. لم تعد السماء تملآها النجوم بفعل الانارة.. فغابت الشهب التي كانت تسليني في صغري. وجدت عمالا ومهندسون صينيون يتنافسون لركوب الحافلات القادمة من الخرطوم لتحملهم إلى مروي حيث يعسكرون.

لم تعد القرير قريه! ولكن مع ذلك كله وجدت اهلها كما هم يوم ابصرت بطيبتهم وسماحمتهم. هم كما هم لم تغيرهم نانسي عجرم ولا اخبار الجزيره فلازالو يسعدون لقدوم الضيف ويتسابقون لاكرامه.. هم كما هم طيبون ، مخلصون ، كرماء وشجعان. حقا انها مدينة يسكنها قرويون!

ن


زرت الوطن الحبيب في مايو ٢٠٠٦ بعد غيبه اوشكت ان تتم اربعه سنين. ولأن اراده النفس ليست دائما غلابه فلم اقضي اكثر من اسبوعين ، ولكنها كانت كافيه لتسجيل بعض المشاهد والملاحظات

١- المشهد الأول: اشارات مرور وتخطيط مروري واضاءه
من ما لا تخطأه العين هو التقدم الملحوظ في تخطيط مدينه الخرطوم. الشوارع الرئيسيه الكبرى ازدادت اتساعا ونظافه واضاءه. من الواضح ان المظهر العام للشوارع اصبح اخيرا من اولويات الولايه. انتشرت الاشارات المروريه في كل مكان فنظمت الحركه وقللت الهرج والمرج في التقاطعات... رُصف الكثير العديد من الشوارع الفرعيه والجانبيه فسهلت الحركه ووفرت زمنا ليس بالهين. اندهشت حينما استقليت سياره من الحاج يوسف للمنشيه ولم يآخذ الطريق سوى عشره دقائق! مشوار كهذا كان يأخذ على الأقل ساعه ونصف قبل تشييد كبري المنشيه الجديد



٢-المشهد الثاني: قوانين المرور
رغم التقدم الملحوظ في تخطيط الشوارع الا ان كثيرا من السائقين يعاني من مشاكل في فهم القانون. قد يكون عن جهل أو تجاهل (وهو اخطر) فرأيت المناظر التاليه بشكل مكرر:
١- سيارات تقطع الاشاره الحمراء،
٢- سيارات لا تتوقف عند اشاره الوقوف فتسبب اكتظاظا للحركه في مناطق التقاطع والدوارات.
٣- سياره مسرعه على الخط الأيمن وأخرى بطيئه جدا على الخط الأيسر.

من الضروري تكثيف برامج التوعيه والارشاد في هذا الجانب كي تتم الاستفاده القصوى من نتائج تحسن التخطيط

٣- المشهد الثالث: حركه عمرانيه
من الواضح ان الخرطوم بدأت مرحله التنافس في تطاول وفخامه البنيان. عدد لا يحصى من ناطات السحاب قيد التشييد وكلها ذات تصميم فائق الجمال. أكثر ما أعجبني هو فندق الفاتح من سبتمبر


٤- المشهد الرابع: الأوساخ
من الصعب جدا جدا ان تجد سله مهملات في اي مكان مما يجعل اطراف الشوارع وعاءا لهذه المهملات! منظر يلقي في النفس شيئا من الحزن عندما ترى شخصا يشرب شيئا ثم يرميه دون ادني شئ من الحياء او التردد. الولايه بحاجه الى تنصيب سلات المهملات في كل مكان ، بل وجعل النظافه هدفا للولايه.. فلا جمال دون نظافه

٥- المشهد الخامس: أماكن كثيره للتنره
ولكل الأذواق! المطاعم بمختلف أنواع المأكولات لا تحصى وكذلك المقاهي. أُِعجبت بالامتداد الجديد لشارع النيل (خلف منطقتي بري وجاردن سيتي) حيث خُضرت اطراف الشارع واضيئت فجعلت المنطقه ملاذا للعائلات والعشاق ومحبي السمر! منظر ما في ذلك الشارع اثار انتباهي هو وجود عدد غير بسيط من السيدات الذين اتو لممارسه رياضه المشي..

٦- المشهد السادس: الاحساس بالزمن
وأقول الاحساس بالزمن وليس بالاتزام به! فالفرق كبير.. فالثاني مزمن والأول قاتل! لازلت اسمع بشكل متكرر كلمات كهسي وبعد شويه. كلمات يصعب ربطها بزمن معين لاختلاف معناها من شخص لآخر. كلمه كهسي تعني لي "خلال دقيقه او اثنتين" ولكنها تعني لأخر -ولا اعرف كيف- "خلال ساعه او اثنين"! كنت في طريقي للشماليه (القرير تحديدا) عندما اشتريت تذكره الباص فسألت السائق متى المغادره فأجاب بابتسامه اظهرت بعض من التمباك بين اسنانه بأنه سيتحرك "أسي".. يعلم الله اننا لم نغادر إلا بعد ساعتين من تلك الابتسامه!! ثم قيل لي فيما بعد ان "كراعك بارده".

كل ما رأيته وسمعته بتقييم عادل هي بالايجاب . تعلمت أن لا أبخس الناس حقها فعلي القول بأنه قُطع شوط كبير وبقي أكبر. أُنجز كثير وسينجز بعون الله اكثر. قد اتحدث بعاطفه وهو أمر لا سلطان عليه ولكنه مدعوم بأرقام وحقائق لا تعرف الكذب ولا النفاق. أرقام لم تشرب النيل كي تتعطش لشربه .. أرقام وجداول وبيانات لم تر التقاء النيلين في المقرن كي تحن.. خلاصه القول غادرت السودان راضيا مرضيا.. مطمئنا متفائلا وفي داخلي طبول ودفوف تدق وتقول "عائد.. عائد.. عائد"

يعد ايدجوارد ستريت من أكبر الشوارع وأكثرها حيوية في العاصمة البريطانية لندن. يعرف نفس الشارع بين الانجلير بـشارع العرب لكثرة المحلات التجارية العربية ، والشقق السكنية المملوكة لعرب.


تجولت في ذلك الشارع الجميل لقرابة الساعتين واستوقفتني عدة مشاهد جعلتني اتأمل لدقائق:

1- المشهـد الأول: سينما أوديون:

شهرة سينما أوديون في بريطانيا كشهرة ((AMC Theatres في الولايات المتحدة. مشيت قرب أحد فروع سينما أوديون في ادجوارد ستريت فتوقفت قليلا لرؤية الأفلام المعروضة علني أجد فيلما يكسر رتابة اليوم ، وكانت المفاجئة عندما وجدت عربيا بين قائمة الأفلام الأمريكية والانجليزية الأخرى!!



خلاصة المشهد الأول: عرب لندن مواكبون لسوق الأفلام العربية!


2- المشهد الثاني: مطعم Sub Way

مطعم Sub Way المعروف يقدم وجبات عربية!


خلاصة المشهد الثاني: عرب لندن لا يأكلون في Sub Way سندويتش الديك البارد ولا التونه بل يأكلون الكفته الشرقية والطاووق! مثير لذيذ!!

3- المشهد الثالث: مقهى شعبي

هذه صورة لواحد من عشرات المقاهي الموجودة في ذلك الشارع. لسر لا أعلمه لخترت هذا المقهى بالذات لتناول وجبة الغذاء ثم الشيشة! تناولت سندويتش كفته شهي جدا ، ثم بعدها جُهزت لي شيشة نعناع رائعة!

وأنت في داخل المقهى لا يمكنك بأي شكل من الأشكال أن تتخيل بأنك في لندن! الجلسة والديكور عربية ، الطهاة والجرسونات عرب ، الموسيقى عربية ، قنوات التلفاز عربية ، والوجوه عربيه!


خلاصة المشهد الثالث: عرب لندن لديهم نفس المقاهي المنتشرة في أرجاء الدول العربية بأغانيها ، وشيشها ، وألعابها (طاولة وشطرنج).

خلاصة المشاهد: عرب لندن أرجوكم.. أرجوكم لا تشكو قسوة وجفاء الغربة ، فأنتم مثلكم مثل مغتربي دبي!

Subscribe to: Posts (Atom)