Harith's Space!

In "Harith's Space!" I share some personal feelings, memories, thoughts and observations. Help me to make this space positive by allowing me to learn from your feedback.


زرت باريس.. أخيراً. مدينة كل ما فيها جميل. شوارعهـا جميلة.. بيوتها جميلة.. فتياتها جميلات ومقاهيها جميلة جدا! أكثر ما أعجبني في باريس هو مقاهيها المنتشرة في كل الأزقة والشوارع ، وتلك الجلسة الجميلة المطلة على الجمال. ما أحلى أن تجلس في أحد تلك المقاهي وأنت تحتسي فنجان اسبيريسو جميل ، على شارع جميل ، يمر به نسيم جميل ، تقرأ كتابا جميلا أو تكتب شيئا علّه يكون جميلا. تذكرت في هذه المدينة صديقين عزيزين أعرف تماما أنهما سيغرقا في عشق هذه المدينة وهما إبراهيم مأمون وهمام شوقي وذلك لحبهما للقهوة والمقاهي ، ولتقديرهم للجمال.

باريس مدينة تحسسك بأن شهيتك للحياة قد تضاعفت. فيها انشراح مثير للروح ، وراحة نفسية فريدة. جئت لباريس بلا أجندة واضحة ، ولكني قرأت وسألت فعرفت أنـهـا عاصمة الجمال. وفي الجمال راحة.. ولهذا كان اختياري. راحة ولا مانع لبعض من الجمال!

أحسسني ذلك الأمريكي الذي جلس قربي في الطريق لباريس بأني بعيد عن النظام ، وأنني لم أخطط لرحلتي جيدا. فقد وجدت معه جدولا كاملا مفصلا عليه برنامجه ، فكان يعرف تماما أين ومتى سيكون في كل ساعة أثناء وجوده في باريس! أما أنا ، فقد قرأت كتابا وبناءا عليه خرجت بقائمة من الأماكن التي أود زيارتها. فلم أحدد أين ومتى سأكون.. أردت عن قصد أن لا ألزم نفسي بشيء.. لماذا؟ لأني في إجازة!

تعجب البعض كيف تذهب لباريس لوحدك. قلت في نفسي ذلك عنصر هام في الإجازة! أردت إجازة دون تقييد.. دون مجاملات ، ومواعيد ، والتزامات. إجازة هادئة.. أقوم فيها من النوم دون منبه ، فأستيقظ وأنام متى شئت. إجازة أحدد فيها أين وكيف سأقضي يومي قبل خروجي بدقائق.. عند تناولي للإفطار. ويمكنني أن أغير برنامجي حينما شئت.. حسب مزاجي ، دون الحاجة إلى تنسيقات ومكالمات ومشاورات. إجازة أأكل فيها متى شئت وأينما وددت.. إجازة لا أنظر فيها إلى الساعة ، فلست متأخرا أو مبكرا على شيء ما.. لأنه ليس لدي موعد محدد لأي شيء!

لا يا عزيزي ، لست أنانيا.. ولكني في إجازة! الإجارة ليست سفرة أو تغيير للمكان فقط. وإنما الإجازة تجديد للروح بكسر الروتين ، والخروج عن المألوف ، والتخلص من المفروض. فإن وُجد في سفرتك أي من هذه العناصر (الروتين – المألوف – المفروض) فأنت مع الأسف لست في إجازة... سمّها نزهة أو رحلة أو شيء من هذا.

كذلك الطفل الجميل الذي يبكي الآن قربي لأن والدته أجلسته في كرسيه المتحرك ثانية. تبدو ملامحه خليجية.. كذلك والديه. أراد المسكين أن يكمل جريه حول البحيرة في هذه الحديقة الجميلة. ذلك الطفل على سبيل المثال ليس في إجازة .. لو الخيار له فسيجري لساعة أو اثنين ثم سيجلس بنفسه في الكرسي دون أن يسأله أحد. وعندما أقعدته أمه في كرسيه ، مارس سخطه على الروتين والمألوف والمفروض بالبكاء.. وهو وسيلته الوحيدة في هذه السن. وسيتغير اسلوبه بمرور الزمن ، فسينتقل من بكاء إلى عناد إلى سخط وضجر إلى مجاملة مزيفة ، ثم أخيرا إلى صمت. وقد يبلغ مرحلة الصمت إما قبل الثلاثين بقليل أو بعد الثمانين بقليل!

ولكي نضع النقاط فوق الحروف ، فقد زرت عددا لا بأس به من المدن ، ولكن باريس بهرتني ، وأثبتت لي أنـهـا أجمل ما رأيت على الإطلاق. أحسست فيها بطمأنية ذهبية وسكينة دافئة.. كتلك التي تحسها عندما تكون مع المحبوب. فغادرتها وأنا مسرور جدا ، و موقن تماما بأني سأعود من جديد كلما وددت أن أحرر نفسي.. من الروتين والمألوف والمفروض!


ح.ع - باريس – 4 سبتمبر 2007








فريد.. مميز ..نادر ومختلف بكل ما تحمله الكملة من معاني ودلالات.. مباشرة أو غير مباشرة. إنه أخي وصديقي علي مأمون حسن.

في (علي) نظرة تفاؤل تدعو للدهشة ، ومراجعة النفس عن نظرتنا المتشائمة. فهو يرى بغرابة كل شيء بمنظار أبيض متفائل ، فيفسر كل حدث أو سلوك تفسيرا إيجابيا. ببساطة عقله لا يعرف كيف يترجم شيئا ما بالسلب ، وكأنه لا يعيش معنا في هذا الزمان ولا يسمع أخبار هذا الزمان!

كلما تواعدنا وجاء متأخرا أجد أن سبب تأخره أنه كان يفعل شيئا لشخص ما.. وليس لنفسه ، فهو آخر من يفكر في نفسه. وهو إن وعد أوفى ، وإن قَبِل مساعدة شخص ما فسيجيد ويخلص. وعندما أسئله بضيق لم تأخرت يجيب بابتسام شديد.. ساهرت البارحة لأن فلاننا أراد أن أساعدة في (..) أو وجدت سيارة معطلة في الطريق فتوقفت لأساعد صاحبها. فأخجل من نفسي عندما أعرف السبب ، وأخجل أكثر عندما أرى بسمته التي لا تفارق وجهه. ففي (علي) صفات سـودانية أصيلة لو قسمت اليوم على حي ما بالخرطوم لعاد الاتزان في المجتمع ، وعادت النفوس لأصولها الطاهرة النقية. وهو كثير الكرم والإيثار لذا دائما ما أناديه بحاتم الطائي! وهو لا يعرف الكذب أبدا ، وإن إضطرته الظروف ليكذب ، اتصل بي وهو في حزن واحباط شديد.. فأواسيه أن الكذابين كثر في هذا الزمان!

كذلك (علي) في نظام أكله مختلف. فهو يقسم وجباته الثلاث إلى عشرة أو ربما أكثر بقليل! فهو دائم الجوع ، ولكنه يتوقف عن الأكل حالما أحس بعدم الجوع وليس الشبع. وهو بالمناسبة نظام صحي جدا. ولذلك تجد ثلاجته وسيارته كذلك مليئة ببقايا طعام من المطاعم! أما المضحك أكثر في نظامه هذا أنه يستمر عليه حتى بعد أن ينام وتسرقه الأحلام. فتجدة يستيقظ أكثر من مرة أثناء الليل ليفتح الثلاجة ثم يسخن شيئا على (المايكروويف) فيأكل بتلذذ شديد وكأنها الثالثة ظهرا وليس صباحا.. ثم يعود إلى نومه من جديد مواصلا أحلامه!

وعندما سرحت شركته كل الموظفين قبل شهرين ، لم يقلق أو يبك كغيره بل استمر في ابتسامه وكأن شيئا لم يكن… لا زال متفائلا ، ولازال ضاحكا مبتسما فعالج كل أموره ببساطة وهدوء شديد. وكان لذلك التفاؤل والابتسام نصيبا من ذهب عندما حصل على فرصة عمل ممتازة في الاسبوع الماضي.

عذرا يا علي ولكني أيقنت للتو أنك لست غريبا.. بل نحن الغرباء.. أنت الأصل ..ونحن نتاج العولمة والتحضر مع مزيج احتكاكات سلبية.

أما حان وقت الرجوع لجذرونا؟ أليس هذا انسان من زمان آخر؟

باريس – 1 سبتمبر 2007


* الصورة لعلي مع أوراق قبوله في جامعة كالفورنيا - بيركلي للتحضير في إدارة الأعمال MBA

لجمال القدر ومحاسن صدفه كان للكابلي حفل رائع في مدينة العين في 10 – 5 – 2007 ، وصادف ذلك اليوم وصولي من الهند وتوقفي في العين لزيارة الأهل.كان الحفل على المسرح الخارجي للنادي السوداني ، وكانت ليلة قمرية جميلة نسيمها هادئ مريح. حضر الكابلي مع عوده وفرقة موسيقية كاملة فكان ذلك مكملا للوصفة السحرية! كان الكابلي متألقا كعادته فبدأ بياقمر دورين فأثار في النفوس حنينا للوطن وكانت تلك حقنة التخدير ، ثم ختمها كعادته بسكر.. وتخلل هذا الجمال روائع أخرى كضنين الوعد ، لو تصدق ، كيف يهون.

وفي اليوم التالي قررت دعوته هو وصديقي ابنه سعد الكابلي للعشاء في منزلننا مع عدد من الأصدقاء المقربين للأسرة. أما علاقتي بسعد الكابلي فهي من أيام الدراسة في جامعة الإمارات. وهو شاب روحه جميلة متذوقة للفن والحياة. وهو يعلم تماما جنوني وولعي بوالده فيقول لي مازحا (إن علاقتك بي علاقة مصلحة!).

وقد لبّى الكابلي الدعوة رغم ضيق زمنه.. ربما خوفا من أن ينتحر ذلك المعجب المجنون! وفي تلك الجلسة ، ودننا أن نجلس مع عبد الكريم عبد العزيز الكابلي الانسان.. الباحث المثقف المفكر بعيدا عن المسرح والعود والمايكروفون والأضواء. وقد كانت جلسة في غاية الروعة بكل ما تحمله الكلمة من معاني. كانت كالسهرة الإذاعية.. وكلما تذكرت النقاش الجميل والنوادر الطريفة الذي دارت زدت ندما بأني لم أستطع تسجيله. فروى الكابلي بأسلوبه الجميل طرائف حول أغنيات مروي وحبيبة قلبي. ثم تناقشنا حول السودان ، ومروي ، والوطنية عند السودانيين ، والغناء في السودان بالأمس واليوم وغدا.

***

الكابلي هو مدخلي لحب الغناء السوداني ، وعشق آلة العود.. ولعله كذلك السبب وراء سعيي لتعلم هذه الآلة الرائعة.. الكابلي هو مدخلي لسماع ومعرفة الكثير عن فنانين السودان كزيدان إبراهيم ، ومحمد وردي ، وابراهيم عوض وكذلك فنانين الحقيبة كحسن عطية.. وهو منفذي لمعرفة ملحنين وشعراء السودان ، كالحسين الحسن ، التيجاني حاج موسى ، وعمر الشاعر ، وبشير عباس. لم أعرف ولم أقّدر الفن وأهل الفن في السودان قبل أن أعرف الكابلي وأقدر فن الكابلي. أما أجمل وأغلى وأصدق من ذلك كله هو أن الكابلي مدخلي لمعرفة رفقاء غربتي هنا.. أخوتي إبراهيم مأمون و ساره أبو قرجه وعلي مأمون.

أليس كل ذلك سببا كافيا لهذا الحب والإعجاب ؟!

أستاذي عبد الكريم الكابلي - لعلي فشلت وعجزت عن نقل كل هذا الإعجاب عندما التقيت بك. لكنه القصور الانساني في وصف الاحساس وجمال ذلك الاحساس. لك كل الشكر والحب والاعجاب. حفظك الله ورعاك لأمتك المحبة والمفتخرة بك دوما.




كتبت قبل نصف عام لأصف كم أنا معجب بالفنان الكبير عبد الكريم الكابلي ، ولكني فشلت ولم أعطه نصف حقه. لم أكن راضيا عن ما كتبت ولم أحس أني قد أوفيت لذلك الإعجاب حقه. لكني أيقنت بأني سأعيد كتابة ذلك المقال يوما ما.. أين ومتى لا يهم ، ولكن متى شاء مَلَك الكتابة. وقد جائني حضرته (الملاك) وأنا جالس في مقعدي في الطائرة مرتحلا كالعادة.. هذه المرة من شيكاجو لسان فرانسسكو.. كنت أقرأ كتابا ممتعا لأنيس منصور ، وصوت الكابلي يرن في أذني مرددا أجمل فاصل في رائعته (ضنين الوعد): "إن تكن أنت جميلا ، فأنا شاعر يستنطق الصخر العصيا... لا تقل إني بعيد في الثرى ، فخيال الشعر يرتاد الثريا".

***

كثيرا ما أفكـر حائرا كيف أصف وأفسر كل هذا الولع. لكنى لا أعرف كيف أصف ذلك الشعور الذي يملكني كلما سمعت الكابلي متحدثا ومغنيا وعازفا؟ كيف لي أن أقول أنه أول من أتجه إليه كلما وددت الكتابة. وهو نفسه الذي أستغيث بصوته كلما وددت الاسترخاء ، والتفكر ، واتخاذ القرار. هو نفسه – عبد الكريم الكابلي – الذي أعتمد على حنجرته عندما أبدأ بعمل شيء ما وأريد أن أنجزه بتأني ومزاج!

دون مبالغة فإن الأستاذ الدكتور عبد الكريم الكابلي – وقد نال الدكتوراه الفخرية في 2003 - هو الذي نقل أذني الموسيقية من أذن نافرة مستنكرة للسلم الخماسي ، إلى أذن تكاد لا تستمتع اليوم بلحن وغناء ما إلا لو كان على ذلك السلم الفريد! قبل الكابلي كنت لا أسمع لأي غناء سوداني رغم مكتبة والداي العامرة بأجمل الأغاني السودانية. وعندما دعته رابطة الطلبة السودانيين بجامعة الإمارات في سنة 2000 لإلقاء محاضرة يتخللها فواصل غنائية ، لم أكن أعلم أن ذلك اليوم 17 مايو 2000 سيكون له أثرا كبيرا في نفسي. جاء فحاضر في تسلسل فريد فعجبني كلامه وشدتني القصص والروايات التي سردها. ثم تغنى بـ ياحلو ، لماذا ، الفافنوس وبعض الرميات. وكانت تلك نقطة التحول! فإذ بي أُسحر وكان بذلك مدخلي لسماع المزيد له ولغيره من الفنانين السودانيين. لم أكن أعلم حتى ذلك اليوم أن تلك الأغاني الثلاث أو الأربع لسن سوى جزء بسيط جدا من مكتبة عامرة بأجمل الأشعار والألحان!

وعندما زرت السودان في نفس العام - صيف عام 2000 - كنت في ذلك الوقت في مباديء طور الإعجاب بالكابلي. وكلما عرف أحد من أقربائي أني أستمع له كان يسأل إن سمعت أغنية "حبيبة قلبي". فأجيب بالنفي ، فيقولون لي أنها أجمل ما غنى ، فإن لم تسمعها فكأنك لم تسمع شيئا لكابلي! ومن يومها درت في الأسواق بحثا عن هذه الأغنية.. عن أجمل ما غنى.. فجلت في أزقة السوق العربي دكانا دكانا ، ثم السوق في بورتسودان.. ولكني كنت دائما أعود بخفي حنين. وبعد عودتي للإمارات لم أتوقف عن عملية البحث ولم أفقد الأمل فسعيت بحثا عنها ولكني لم أجد لها طريقا! وصيت في أكثر من مرة أي صديق مسافر إلى السودان أن يجلب لي الأغنية معه ، وكانو وا أسفاه يعودون إلي بنفس النتيجة التي توصلت لها سلفا. باختصار لم أجد هذه الأغنية، بل وفقدت أمل العثور عليها.. حتى جاء يوم! كنت أتصفح شبكة الإنترنت فإذ بعيني تقع على موقع أغاني سودانية لم أزره من قبل وكان (أمدر دوت كوم) ، ولما دخلت لزاوية الأغاني وجدت أغنية حبيبة عمري على رأس القائمة!! وكان بذلك مدخلي لمعرفة صاحب الموقع.. أخي وحبيبي إبراهيم مأمون حسن.

ولقصة الإعجاب بقية!

من الصعب أن تستخلص تجربة فور انتهائها. وحتى إن حاولت ققد لا يكون استخلاصا صحيحا ولا شاملا ذا عبر ودروس مستفادة. فقد لا تفهم حدثا أو موقفا إلا بعد سنين ، أو لا تفهم قولا إلا بعد سماعه من جديد. وزيارة أي بلد جديد إنما هي تجربة كغيرها من تجارب في حياة لا شيء فيها سوى التجارب. وتخليص هذا النوع من التجارب إنما هو من التحليل.. وفي العلوم والهندسة التحليل هو من أهم وأخطر المراحل في أية تجربة ، فقد توصلك لنتائج قد تتحول بمرور الزمن إلى حقائق وقناعات. ومما يزيد هذا النوع من التحليل صعوبة أنه لا يستند إلى أي أرقام وبيانات ، وإنما هي نتاج ملاحظات ، ومطالعات ، ومشاهدات ، وأحاديث. ولأن العقل يعمل بصورة مقارنة لما هو مخزون فيه كي يحلل ، فإن خلاصتي عن الهنـد اليوم إنما هي نتيجة لهذه العوامل مجتمعة مقرونة برؤيتي ، ولذا فقد يختلف معي جمع ويتفق معي جمع آخر.

***

أحببت الهند كما أحببت أهلها. فهم شعب عريق ذا تاريخ وجذور.. فخور معتز بكل شبر من بلده.. سعيد لرؤية الأجنبي فيكرمه ويحب أن يريه أجمل مافي بلده.

يمكنني أن أصنف الهند سكانا لثلاثة طبقات. الأولى فاحشة الغناء فلا تتعامل إلا بلغة ملايين الدولارات ، والثانية ضالعة في فقر رهيب فلا تعرف إلا قوت يومها ، وتخطئ إن أحصت نقودا أكثر من مائة روبية. أما الطبقة الأخيرة فهي لا فقيرة ولا غنية ، فهي بينهما ولكن تكاد لا تراها.

سؤال ظل يراودني.. كيف مع كل النعشة الاقتصادية التي تعيشها الهند فلازال الفقر يعاني منه نصف سكانه البالغ بليون نسمة. عرفت أن الغني يزداد ثروة فأصبح يستثمر ماله في نيويورك ودبي. والفقير فلازال على قوت يومه يصحو ويغفو. أما الطبقة الوسطى فأصبحت تبين أكثر. فمع تسابق الشركات الأجنبية على الهند توفرت ملايين فرص العمل بمالغ زهيدة للمستثمر الأجنبي.. أما للهندي فهي مبالغ جيدة جدا. سألت فقيل لي أن متوسـط دخل الهندي في ارتفاع سنوي قدره 15%. وهو رقم كبير.

رغم فارق الزمن الكبير بين الهند وأمريكا الشمالية وأوربا ، ورغم مجازفات الشركات بنقل أعمالها إلى دولة من دول العالم الثالث من أجل عمالة رخيصة فهي لا تزال تتجه صوب الهند. قد سمعنا عن دولا كالصين والبرازيل قد أصبحتا متقدمان جدا في مجال تقنية المعلومات ، ودولا أخرى في أوربا الشرقية ومع ذلك لا تزال الهند الخيار الأول. فما الذي جعل الهند تتغلب عليهم بهذا الفارق الشاسع؟ السر يكمن في كلمة واحدة.. اللـغـة! هل تعلم أن اللغة الانجليزية هي المشتركة بين كل خريجي الجامعات الهندية؟ التعليم في الهند متقدم جدا وهو سبب رئيس آخر لوفرة العمالة الجاهزة. كل الكتب الصادرة من مطابع أمريكية وأوربية تعاد طباعتها في الهند بمالغ زهيدة فتكون متوفرة في أيدي الجميع.

***

لإنجاز أي تقدم اقتصادي لابد من استقرار سـياسي. فالاقتصاد هو العامل الذي يبني ، والسياسة هي الحارس الذي يحمي. والهند مستقرة سياسيا رغم التعداد السكاني الرهيب ، والخليط العرقي والديني. فهي مع ذلك كله تعرف بأكبر ديمقراطية في العالم. فلماذا فشل السودان - وهو سبب حديثي ومثال مقارتني – ونجحت الهند؟ أهم أكثر ذكاءا؟ ليس من الضروري!

يحكى أن وفدا سودانيا رفيع المستوى زار اليابان في أوائل الستينات لتبادل الخبرات والاستفادة من التجربة اليابانية. فقال الوزير السوداني مازحا لوزير ياباني آخر:

- أستعجب كيف وصلتم لكل هذا رغم ذكاءكم المحدود!

فرد الياباني:

- وأنا أستعجب حالكم وأنتم بكل هذا الذكاء!

وقد كان ذاك الحديث في الستينات!

لعل الهنود أكثر حكمة.. أو لعله ذلك الجين.. جين المنافسة الذي يجري في عروقهم. فقد تمرسوا في المنافسة فيما بينهم حتى وجدا نفسهم يفوقون دول الجوار! أو قد يكون ذلك النهج الحكيم الذي تركه غاندي ، فجعل لحكوماتهم بعد نظر سياسي مميز.

الحكومات الهندية منذ الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي نهجت نهجا قد يكون قريبا إلى سويسرا. فهم لا يغضبون لا أمريكا ، ولا إيران ، ولا روسيا ، ولا حتى اسرائيل! وفي نفس الوقت لا يتراشقون مع هذه الدول فتصبح معوناتها عبئا سياسيا ثقيلا فتسّير أمرا رغم إرادتهم. كل ذلك بحكمة وهدوء ، دون قرارات سياسية متهورة عشواء. الهنود ربما عرفوا أكثر من أي مستعمرة أخرى كيف يستثمروا الاستعمار الانجليزي. فتعلموا الديمقراطية والهدوء في اتخاذ القرار السياسي ، وعرفوا كيف أن التعليم هو سر تقدم الأمم وتأخرها ، وعرفوا أن لا صناعة متقدمة دون بنية تحتية متطورة وشبكة مواصلات متقدمة.

لا أخفي سرا أن أمورا أخرى لم تلق إعجابي كعدم النظام وعدم احترام الصف والمرور والمواعيد. ولكن إن جئت للحقيقة فهذه أمور تعاني منها دول العالم الثالث كلها ، وليست الهند لوحدها ، ولذا فلن أعطيها وزنا كبيرا في التحليل. لأني تعودت -أو أحب أن أعوّد نفسي- أن لا أبخس الناس حقها وأن لا أدقق النظر في النقاط السوداء الصغيرة!

مرة أخرى أقولها.. أحببت الهند تماما كما قالت لي تلك العجوز الأمريكية:

- سترى في الهند أشياءا ستحبها وستتمنى أن تعود لرؤيتها من جديد!

3 يوليو 2007

سان فرانسسكو

مازلنا في بونا.. في فندق

Sun-n-Sand

(نيلم) هي مسئولة الخدمة في مطعم الفندق الرئيسي حيث أتناول أنا وزملائي الافطار كل صباح قبل الخروج للعمل. ونيلم فتاة رقيقة وجميلة.. قد تكون في الخامسة والعشرين. تستقبلك كل صباح بابتسامة جميلة ، ثم تودعك وأنت في طريقك للعمل بابتسـام يدخل في نفسك تفاؤلا وحيوية!

كل هذا جميل.. لك ما أجمل وفريد هو ذاكرتها الحديدية في تذكر أسماء ضيوف الفندق! في كل صباح يمر عليها عدد لا يقل عن مائة نزيل ، فتستقبل وتودع كل ضيف باسمه دون خطأ أو الحاجة للرجوع إلى ورقة أو مذكرة. قي أول يوم ذهبنا للإفطار كان معها ورقة عليها أسماء النزلاء الجدد ، فسألت كلٌ من اسمه ، ثم نظرت لورقتها ودونت شيئا ربما ليساعدها على تذكر أن هذا الشخص الذي أمامها أو المكتوب في هذه الورقة!. وفي اليوم التالي ، استقبلتني عند مذخل المطعم فقالت (صباح الخير مستر عمر).. تخيلت أني سمعت (مستر عمر) في تحيتها ، ولكني اكتفيت برد التحية وقلت في نفسي لعلي سمعت ذلك خطأَ فلم أفكر في الأمر كثيرا. وعندما كنت مغادرا قالت (أتمى لك يوما سعيدا مستر عمر).. فنظرت لها متعجبا ثم سألت:

- هل قلت عمر؟

فردت ببراءة "نعم" وأردفت:

- أليس هذا اسمك الأول ؟

قلت وأنا لا أزال في دهشتي:

- إسمي الأول هو حارث ، وعمر إنما هو اسمي الثاني.

قالت:

- أي إسم تفضل أن أناديك إذا؟

قلت:

- عمر.. لعله أسهل في النطق!

حكيت لاحقا لزملائي ، فقالو أن نفس الشيء قد حدث معهم! ومن يومها لاحظت أنها تستقبل وتودع كل نزيل باسمه ، وتعرف عن ظهر قلب من منا يشرب القهوة ، ومن يشرب الشاي بحليب وبدون حليب!

***

الضيافة في المطاعم الهندية مميزة وتختلف من أي مكان زرته من قبل. الأمر الوحيد الذي يفعله الزبون لوحده هو إدخال الملعة أو الشوكة إلى فمه ودفع الحساب! كل شيء آخر يقوم الجرسون بفعله لك. وبمجرد تأهبك لدخول المطعم ستجد أن أحدا قد فتح لك الباب ، ثم يهيئ الجرسـون الكرسي لجلوسك ويضع المنديل على حجرك. وعندما يأتي بالماء أو العصير سيصبه هو بنفسه في كوبك ، كذلك طعامك. ثم يحوم حول طاولتك ليراقب إن احتجت لمزيد من الماء أو الطعام ، وإن رآك تجرأت لتزيد من طعامك فمسكت بالملعقة لتضع مزيدا من الكري الشهي في طبقك سيهب عليك مسرعا ليقوم هو بذلك.. فأنت بذلك تجرأت وتدخلت في اختصاصه!

أما أجمل شيء في المطاعم الهندية هو طريقة غسل اليدين بعد الفراغ من الطعام. ففي أي مطعم (دون استثناء) يُقدم للزبون وهو لا يزال في طاولته طبقا مجوفا كطبق الشوربة ، ويكون عادة من النحاس أو مادة شبيهة. يكون في ذلك الطبق ماءا حار نسبيا وشريحة ليمون "فتمصمص" أصابعك وتمسحهـا بالليمون لتزيل رائحة الطعام من الأصابع والأظافر. وحسب رقي المطعم قد تجد بعض الإضافات ، كأن يكون الماء برائحة الورد ، أو تجد وردة حمراء في انتطارك!

9 يونيو 2007 – سان فرانسسكو


مازلنا في الهـند... الهنود بشكل عام متدينون. للدين هيبة.. وللرب أو الإله رهبة. وإن ذهبت لأي مسجد ، كنيسة أو معبد ستجده مكتظا بالمصلين في كل الأوقات. تجد المسلم منهم متمسك بدينه كذلك البوذي والمسيحي والسيخي وغيره. في الهند مئات الأديان. ففي مدينة كبونا حيث تبلغ كثافتها نحو أربعة ملايين نسمة هنالك عشرات الأديان والمعتقدات. ومع ذلك تحس باحترام الجميع لدين ومعتقد الآخر. وكأنهم سمعوا قول الرسول الكريم (لكم دينكم ولي دين). فلا يتدخل أحد في معتقد الآخر ، ولا تتدخل الدولة في طقوس ومماراسـات وواجبات الدين. فلا تجد قانونا يمنع الحجاب ولا آخر يمنع الصلاة. إن طالعت أي من الكتب السياحية عن الهند للاحظت أن معظم الأماكن السياحية ماهي إلى أماكن للتعبد وتذكر الرب. مما يدل على أهمية الدين لهذا الشعب ومما يذكرك بأن الدين أفيون الشعوب!

في فريق العمل الذي دربناه في بونا فتاة اسمهـا (نشتا). ونشتا فتاة طيبة للغاية ومسكينة جدا.كثيرا ما تذكرني بصديقتي من أيام الدراسة (بكيت) وهي من تركيا.. وذلك لوجود صفات عحيبة مشتركة بينهما. فكلاهما طيب للغاية ولهما معدل قلق فوق الاعتيادي بكثير! تجيء (نشتا) فتسأل سؤالا في قلق... ويكون أمرا عاديا ولا يحتاج لذلك الخوف ، فتجد يديها مقبوضتين في قلق ، وعيناها جاحظتين في فزع! كثيرا ما كنت أُضحطها كلما أتت لتسأل وهي في ذلك الحال ، فأقول مازحا:
Relax, take deep breath then talk to me!

فتضحك في براءة شديدة كالأطفال حتى تختفي عينيها! في يوم كنت أساعدها في حل مشكلة ما فجلستُ في كرسيها على جهاز الكمبيوتر ، وبينما أنا في انتظار عملية ما لتنتهي رحت أنقل نظري في أرجاء مكان جلوسها فوجدت صورة لرجل عجوز.. فسألتها في براءة لعلي أفتتح حديثا يزيل ذلك القلق الذي أسمع نبضات قلبه. سألت من هذا؟ توقعت أن تقول أنه أبي أو جدي.. شيئا من هذا القبيل.. أتدري ماذا قالت؟ قالت إنه ربي!! اندهشت بشدة.. لا أدر كم ثانية قد مرت ولساني مصاب بالشلل.. هززت رأسي ايجابا وقلت بنفاق انجليزي "جميل.. جميل". أدركت حينها أن ذلك ما كان سوى أسوأ سؤال لفتح حديث.. ربما أزلت عنها القلق عندما ذكرتها بربها ، لكن عدوى القلق قد انتقلت إلي! تمعنت في بقية الموجود في مكتبها فوجد مجسم لقرد كرتوني صغير.. نظرت إليه من بعيد دون أن ألمسه أو أسأل ما هو وما اسمه حتى لا أسمع جوابا يسقط عليها نيازك من السماء فتقضي عليها ومن حولها!! ح

31-5-2007
يونايتد ايرلاينر – في الطريق من دينفر إلى سان هوزي






من أكثر المشاهد التي كانت تثير حزني في الهند هو منظر الأطفال المساكين الذين يشحذون في الشوارع والأماكن السياحية. معظمهم بين الثالثة والعشر سنوات. وبمجرد خروجك من السيارة في أحد الأسواق أو الأماكن السياحية ستجد كومة من الأطفال قد انهالت عليك يشحدون ويقولون كلاما بلغة غير مفهومة. حزين منظرهم وهم حفايا بملابس بالية وقد عاشوا مشقة الحياة في عمر مبكر. طالما أحسست بأنهم يفعلون ما يفعلون تحت تدريب ووصاية. فتحس أن جميعم يشحد بنفس الطريقة والأسلوب. فالأطفال بطبعهم مسيرين وليسو مخيرين ، وهم ببراءة يجمعون مالا لا يعرفون قيمته ، ولا يرون قرشا منه. آلمني ما حكاه زميل لي عندما شاركته ملاحظتي هذه فقال أنه رأى وهو في السوق سيدة تضرب طفلا بعصا في عنف لأنه أبى أن يلحق بجمع من السياح!

لازلت أذكر منظر ذلك الطفل الذي كنت أراقبه من داخل السيارة ونحن وقوف في إشارة المرور. كان يمد يده لرجل على دراجة نارية ، وكان الطفل يقوم كما يقوم غيره من الأطفال يقول كلاما غير مفهوم.. والرجل في تجاهل تام كما يقوم غيره من الرجال. مد الطفل يده كي يمس كف الرجل ليسترعي انتباهه فمس مقود الدراجة بطريق الخطأ ، فنظر بسرعة وفزع إلى الرجل إن كان قد انتبه لذلك ، ولما وجده سارح في عالم آخر راح المسكين يتحسس الدراجة ومقودها في براءة وفضول شديد ونسيَّ ما جاء لأجله!

أما أكثر الأطفال طرفا هو ذلك الذي لاحقنا فور خروجنا من تاج محل. ركض خلفنا يبيع ميداليات مفاتيح عليها صورة لتاج محل. عُمر ذلك الطفل حوالي عشرة سنوات. تعجبت ثم أُعجبت من طلاقته في الانجليزية لطفل في سنه وظرفه. استمر في ملاحقتنا وهو يشير للميداليات ويقول بانجليزية طلقة "10 روببات فقط.. 10 روببات فقط" ، فضحكت وقلت له "هذا كثير" ، فقال فورا ودون تفكير كثير "إذن 5 روبيات فقط لأجللك!" فضحك جميعنا بشدة حتى أصر زميل آخر أن يشتري منه تقديرا وتشجيعا لقدراته في فن المبيعات!!

10 – 5 - 2007 *

على طيران الإمارات من بومباي إلى دبي *





سعدت لتعليقات الزوار وطلبهم بنشر بعضا من الصور... وقد التقطت أكثر من أربعمائة صورة ولا أعلم لماذا لم أتنبه لضرورة نشرها كي تكتمل الصورة. إليكم بعضا من الهند في صور:

















كنت متشوقا لزيارة مدينة مومباي ، فهي عروس الهـند ومركزها التجاري والمالي. زرنا معالم المدينة الرئيسة بداية ببوابة الهند وهي تلك البوابة التي رحل منها آخر اسطول بريطاني في عام 1948 ، وهي نفس البوابة – ولسخرية القدر – التي دخلت عبرها الملكة فيكتوريا الهند عندما كانت مستعمرة بريطانية.

أصر زملائي من العمل على العشاء في "مومباي هارد روك كافيه" فطلبنا من السائق أن يقودنا هناك.. فراح يحوم ويدور ويسأل كعصفور تائه ، بينما هو بثبات وثقة كبيرة يدعي معرفة المكان.. المهم ، دخل بالسيارة في أزقة لا أراك الله لها. فرأيت مناظر تحسرت لرؤيتها.. رأيت وجها آخر للهند ما سعيت لأن أراه. بيوتا من خشب وطين لا يتعدى عرضها ثلاثة أمتار وفيها أسرة كاملة من أب وأم وأطفال. أزقة ضيقة من طين ، فيها المنزل ، والمكوجي ، والبقالة ، وعجوز بطشت غسيل! ثم تقدم السائق أمتارا قليلة فخرج بالسيارة إلى الشارع الرئيسي حيث النظافة والاتساع والإضاءة ، وعلى أمتار بسيطة نجد لافته "مومباي هارد روك كافيه" فتغيرت الأشكال والألوان والروائح وكأنك في مدينة أخرى.

مدينة مومباي في اعتقادي ملخص كامل للهند. وكأن الهند كلها قد لخصت في مدينة واحدة. فهي مدينة التناقضات! فيمكنك أن تصفها بالقبح والجمال ، النظافة والوساخة ، الوسع والضيق ، الرقي والتخلف. في بومباي بالذات تذكرت قول تلك العجوز الأمريكية التي وقفت بجانبي في صف استلام تأشيرات الدخول في القنصلية الهندية بسان فرانسسكو. سألتني بفضول إن زرت الهند من قبل ، ولما أجبت بالنفي قالت أنها قد زارت الهند ست مرات. ثم قالت بنبرة حكيمة: "سترى في الهند أشياءا ستود أن تعود لرؤيتها من جديد ، وسترى أشياءا أخرى ستتمنى أن لا ن تراها حياتك كلهـا". وبالفعل صدقت كل الصدق!

تزوج (شاه جهان) ثلاث مرات ولم تنجب منهم سوى (ممتاز محل). كانت (ممتاز) فارسـية ، وعلى قدر كبير من الجمال. كانت مضرب الشعراء في التغزل بفتنتها ، فكان يقال من باب السخرية بأن القمر يستحي من الظهور من فرط جمالها! وقد أحبها الملك (شاه جهان) حبا شديدا ، فأنجبت له أربعة عشر في ثمانية عشر سنة! توفيت (ممتاز) وهي تنجب طفلتها الأخيرة ، وعندما كانت في فراش الموت طلبت من زوجها أن يبني شيئا ليكون رمزا لحبهمـا. وعندما ماتت اختفى الملك عن الأنظار وحزن حزنا شديدا ، فلم يظهر إلا بعد ستة أشهر من وفانها وشعر رأسه قد انقلب شيبـا.

وفور خروجه بدأ التحضير لبناء مقبرة لزوجته الراحلة. فاستعان بمعماري تركي مسلم ليشيد (تاج محل) ليصبح قبلة للأنظار. وضع أول حجر بعد سنتين من وفاتها ، واستغرق بناء القصر 22 سنة ، وشارك في بناءه 22 ألف عامل وأحيط باثنين وعشرين قبة لتمثل عدد سنوات البناء. والقصر كله مبني من رخام من نوع خاص ، وزيّن بأحجار كريمة جمعها من جنوب أفريقيـا ثم زخرف القصر بسور من القرآن الكريم في كل مكان.

وبعد أن تم تشييد القصر كان (شاه جهان) يزوره كل يوم ليقضي معظم يومه قرب قبرها ، حتى انقب ابنه الثالث على والده واستولى على العرش فحبسه في قصره وقتل كل أخوته من الأولاد. كان حزن (شاجان) على حبسه في القصر وحرمانه من زيارة قبر (ممتاز) أشد قسوة وألما من فقدانه للعرش. فكان يقضي يومه في قصره مواجها (تاج محل) وهو يبكي ويبكي كل يوم حتى أثر ذلك على بصره فلم يعد يرى القصر من مكانه. فأتت ابنته الكبرى التي كانت شديدة الحب لوالدها بمرآة مكبرة ووضعتها في غرفته لتعكس التاج فيستطيع بذلك رؤية القصر دون جهد كبير.

وصلنا لمدينة نيودلهي في صباح يوم السبت 7 ابريل 2007. وفور الوصول انطلقنا بالسيارة التي كانت في انتظارنا في المطار إلى مدينة (أكرا) حيث تاج محل.
تقع مدينة (أكرا) على بعد 3-4 ساعات بالسيارة جنوبا من مدينة نيودلهي عاصمة الهند. وهي مركز مملكة (المغل) وقد كانت أكبر وأقوى مملكة في الهند خلال القرن السادس عشر. أسسها الجد الأكبر للعائلة (جلال الدين محمد أكبر). وكما يشير الاسم فقد كانت مملكة مسلمة ذات أصول فارسية. وقد كان (أكبر) رجلا أميا وعلى قدر كبير من الحكمة والذكاء. كانت له ثلاث زوجات.. نصرانية ، وهندوسية ، ومسلمة. كان يضرب به المثل في العدل الذي أقامه بين زوجاته رغم اختلاف دياناتهم ، فتجد في قصره نقوش ذكية ترمز للاسلام والمسيحية والهندوسية في آن واحد. ومن زوجته المسلمة زرق فيما بعد بحفيده (شاه جهان) الذي خلف المملكة بعد والده وجده (أكبر). أما (شاه جهان) فهو من شيد ذلك الصرح العجيب (تاج محل) تخليدا للحب الكبير الذي جمعه مع زوجته التي رحلت في شبابها (ممتاز محل).

Subscribe to: Posts (Atom)